الثلاثاء - 22 يونيو 2021
الثلاثاء - 22 يونيو 2021

بماذا تتفاضل الأمم؟ (2)

ما مفهوم الأخلاق؟ سؤال مبدئي يحتاج إلى إجابة قبل الخوض في بقية الأسئلة التي طرحتها الأسبوع الماضي. لغة، يذكر القاموس المحيط أن الأخلاق جمع خُلُق، وهو الدِّين والطبع والسجية والمروءة، هي صورة الإنسان الباطنة وهي نفسه وأوصافها ومعانيها المختصة بها، وهي بمنزلة الخَلْق لصورته الظاهرة وأوصافها ومعانيها. أما اصطلاحاً، فمن كتاب (التعريفات) عرَّف الجرجاني الخلق بأنَّه: (عبارة عن هيئة للنفس راسخة تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر ورويَّة، فإن كان الصادر عنها الأفعال الحسنة كانت الهيئة خلقاً حسناً، وإن كان الصادر منها الأفعال القبيحة سميت الهيئة التي هي مصدر ذلك خلقاً سيئاً). وأما الفلاسفة فلهم توصيفات عديدة اخترت لكم ما قاله جان جاك روسو، حيث يُعرّف الأخلاق على أنها (الأحاسيس الطبيعية التي تجعلنا نميّز بين الخير والشر ونتفادى ما يُلحق الأذى بنا وبالآخرين، ونميلُ إلى ما يعود علينا والمجتمع بالنفع، وهي ما تُميّزنا عن بقية الكائنات الحيوانيّة). أما إسلامياً؛ فقد عرف مقداد يالجين في كتابه (التربية الأخلاقية الإسلامية) الأخلاق في نظر الإسلام بأنها مجموعة المبادئ والقواعد المنظمة للسلوك الإنساني، التي يحددها الوحي، لتنظيم حياة الإنسان، وتحديد علاقته بغيره على نحو يحقق الغاية من وجوده في هذا العالم على أكمل وجه. وبعد هذا التطواف السريع في التعريفات؛ أصبح من السهل نسبياً الإجابة على السؤال المتعلق بمدى الارتباط بين القيم الأخلاقية والتشريعات الفقهية والشعائر التعبدية؟ وهل يمكن حصول التعارض فيما بينها؟ ومع أي الفريقين نقف في حال التعارض؟ مما سبق ندرك أن جوهر الدين إصلاح الباطن، وحسن التعامل. والشعائر التعبدية ليست إلا مظاهر تعزز طاعة المخلوق للخالق العظيم، ولكن لا يعتد بها عند تعارضها مع السلوك القويم والأخلاق الحميدة. وذلك مصداقاً لقول النبي الكريم (المفْلسَ مَنْ أتى بصلاة، وصيام، وصدقة، وحج، وقد شَتَمَ هذا، وضرب هذا، وأكل مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فَنيَتْ حَسَناتُهُ ـ قبل أن يُقْضى ما عليه ـ أُخِذَ من خطاياهم؛ فطُرِحَتْ عليه، ثم يُطْرَحُ في النار). فالتشريعات والأخلاق لن تتعارضا قطعاً؛ وإن ظهر ذلك في النادر مع خلق أو عادة سائدة، فهنا يلزمنا الثقة أن هذا تعارض شكلي؛ ذلك أن الإنسان يجهل في بعض الأحيان مصلحته لوقوعه تحت تأثير رغباته، ونزواته، ونظرة من حوله إليه، فيأتي الوحي السماوي مصححاً للخلل ومسدداً للفجوة البشرية. وللحديث بقية في الأسبوع المقبل. كونوا بخير. [email protected]
#بلا_حدود