الثلاثاء - 27 يوليو 2021
الثلاثاء - 27 يوليو 2021

«إني نذرت للرحمن صوماً»

جملة قالتها السيدة مريم بنت عمران عندما رزقها الله بمولودها عيسى عليه السلام من غير أب. بل هي كلمة أوصى بها الله لها حتى تخرج من حالة الحيرة والذهول تلك؛ فكيف لها أن تبرر أن يكون لها ولد من دون علاقة زوجية وهي الطاهرة الشريفة! وبأي حجة تستطيع أن تواجه قومها وفيهم المتربص للزلات والمتصيد في المياه العكرة. فكأن اللجوء إلى الصمت منجاة من الكثير من الآلام ووقاية من عواصف هوجاء لا قبل لها بردها، فالصمت أحياناً أبلغ من الكلام وأفصح بالحجة منه. ويبدو أنني وقبيل ساعات من دخول شهر رمضان؛ سرت على النهج ذاته وأخذت بالوصية ذاتها! لكن صومي لم يكن عن الكلام ومخالطة الناس. وحتى لم يكن بسبب أمر لا أستطيع تبريره أو الدفاع عنه بالحجة والمنطق؛ بل هو صوم يتناسب مع مقتضيات زماننا وواقع حياتنا المعاصرة. فاستقبال شهر رمضان يجب ألا يكون كاستقبال سائر الشهور، فهو شهر مختلف بالكلية، وفيه تغير مجرى التاريخ، وارتقت البشرية عالياً في مراقي الشرف؛ بنزول الوحي على أشرف الخلق أجمعين وخاتم الأنبياء والمرسلين محمد بن عبدالله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. اعتدت قبل رمضان أن أجرد حساباتي، وأراجع طريقة حياتي، في محاولة للتخفف مما لا طائل من ورائه من الأعباء التي راكمتها على كاهلي على مر الأيام دون وعي. فوجدت أن أكثر الأحمال ثقلاً وأعظمها سرقة للوقت؛ هو ما يعرف ببرامج التواصل الاجتماعي! تلك البرامج التي تغولت على أوقاتنا وشاركتنا مجلس العائلة وطاولة الطعام وحتى فراش النوم. بل تسللت إلى قاعات الدراسة وأروقة الأعمال وقيادة السيارات بل وحتى في دورات المياه!! ولو اقتصر الأمر على سرقة الأوقات لهان الأمر؛ بل الأدهى أنها سلبت الأفهام وتغلغلت إلى العقول وأصبحت تشكلها بهدوء وفق معتقدات غير بريئة ومفاهيم مشبوهة وثقافات غير منضبطة. وفوق هذا وذاك؛ أصبحت تلك الوسائل تهدد السلام الداخلي وتسرق الإنسان من لحظات الاختلاء بنفسه وتحرمه لذة التأمل العميق فتفقده الطمأنينة. فلكل ما ذكرت وأكثر؛ نويت قبيل رمضان صياماً عن شيء من برامج التواصل الاجتماعي! وقررت إغلاق حسابي في تويتر. لقد كان القرار صعباً في ظاهره، وقد يظنه البعض سخيفاً، ويعتقد آخر أنه هروب من معايشة الواقع. لكن مردود هذا القرار الإيجابي على سلامي الداخلي وأنسي بالطاعات منذ اليوم الأول من رمضان كفيل بالمضي فيه وردفه بقرارات أخرى مشابهة. كونوا بخير. [email protected]
#بلا_حدود