الخميس - 29 يوليو 2021
الخميس - 29 يوليو 2021

أزمة "العقل" القطري (2 ـ2)

لا أرى جديداً في تصريحات أمير قطر الحالي، التي زعمت الدوحة أنها مدسوسة، بل الغريب تماماً هو التبرؤ من هذه التصريحات والمواقف، فمن يتابع السياسة القطرية لا يرى غرابة في هذه التصريحات. مواقف قطر تجاه إيران نابعة من رؤية استراتيجية لم تتغير، وتنطلق من بناء علاقات مع الأطراف المعادية لبعضها البعض، فهنك علاقات قطرية مع حماس وإسرائيل، ومع طالبان والولايات المتحدة، وتنظيمات الارهاب والتحالف الدولي المضاد لها، ومع السعودية وإيران، ومع الحوثيين والنظام الشرعي في اليمن، وهكذا تمضي قطر على درب شائك طيلة السنوات الماضية! وهذا النهج ورثه الأمير تميم عن والده، وكانت هناك توقعات بتغييره والتخلي عن نهج المغامرة، ولكن هذا الأمر لم يحدث، واستمرت الدوحة في عبثها، بل تمادت!! والإشكالية أن قطر لم تدرك التحولات الاستراتيجية من حولها، فهناك إدارة أمريكية جديدة لها توجهات مغايرة تماماً لنهج إدارة الرئيس السابق أوباما، والاتفاق النووي مع إيران بات يواجه مصيراً غامضاً، كما بت استمرار الرهان القطري على تنظيمات الإسلام السياسي كاشف عن واحد من سيناريوهات ثلاثة: إما أن قطر لا تعي ما يدور حولها من تغيرات استراتيجية عميقة ومتسارعة، أو أنها قد وقعت أسيرة هذه التنظيمات وسقطت بين حبائلها بحيث لم تعد الدوحة قادرة على الفكاك من سيطرة الاخطبوط الارهابي، أو أن قطر تنفذ "تعليمات" تأتي إليها من عواصم كبرى، وهي الحجة التي كان يستريح لها ويستأنس بها كثير من خبراء السياسة في منطقتنا، ولكن الحاصل الآن أن الولايات المتحدة، وهي القائد المهيمن على النظام العالمي الجديد، قد سكنه رئيس جديد معاد لتنظيمات الاسلام السياسي كافة، كما أن دول مثل بريطانيا بات لها مواقف مغايرة لهذه التنظيمات بعد أن ذاقت الأمرين بسبب التعاطف معها في حقب زمنية سابقة!! هل فشلت قطر في قراءة خارطة التحول الاستراتيجي إقليمياً وعالمياً وأخفقت في ملاحقة الأحداث وتعديل موقفها كما كان يحدث سابقاً؟ لو كان هذا ماحدث فنحن بالفعل أمام أزمة عقل قطري، ربما لضعف خبرة الأمير الحالي، وفشله في الاعتماد على مستشارين قادرين على قراءة الواقع ومتغيراته بشكل جيد. الأرجح أن أزمة العقل القطري تمثل كارثة بكل المقاييس لمنطقتنا ما لم يحدث تعديل للأوضاع في دائرة الحكم القطرية خلال المدى القريب، فقطر دولة ثرية، ولديها شبكات علاقات مشبوهة مع الارهاب والتطرف وغير ذلك، ومن البديهي أن يتسبب فقدان وعيها بما يدور من حولها كوارث عديدة. والمطلوب الآن، أن تعيد دوائر الحكم القطرية حساباتها، وأن تدرك أن هناك معطيات جديدة في الشرق الأوسط، فلا مستقبل لتنظيمات الارهاب، ولا وجود لجماعة الإخوان المسلمين الارهابية، وهناك إصرار اقليمي على استعادة هيبة الدول، ونبذ الوكلاء وتنظيمات الارهاب، وبالتالي فإن استمرار الرهان القطري على التناقضات خاسر لا محالة، ولكن الخاسر الأكبر أن يظل الشعب القطري أسيراً لهذه المعادلة الفاشلة في الحكم. أزمة العقل القطري، هي أزمة مرضية سياسية، علينا جميعاً ان نتعامل معها باعتبارها حالة خطرة قد تفجر المنطقة بأكملها، وهنا أثق في حكمة قادة دول مجلس التعاون في التعامل مع هذا الوضع الطارىء.
#بلا_حدود