الاثنين - 26 يوليو 2021
الاثنين - 26 يوليو 2021

زايد الغائب الحاضر

كان اليوم التاسع عشر من رمضان عام 2004، وكنت في مكتبي في المؤسسة العربية للصحافة والإعلام، في أبوظبي أُنهي بعض المواد التحريرية استعداداً لسفري في الليلة ذاتها إلى الرياض. وقف على باب مكتبي ناصر الظاهري ـ مديري وقتهاـ كانت عيناه على غير العادة تشيان بحزن مريب، لم ينبس بكلمة ولا حتى بسلام بينما أصابعه تفتل الطرف الطويل لطربوش ثوبه العربي، وفجأة رماه في الهواء بحنق وغادر إلى مكتبه.. مازلت أذكر دموعه عندما لحقت به، وسماعي جملته المبتورة «الشيخ زايد...»، كان ذلك كافياً لأعرف أن زايد الخير توفي في ذلك اليوم. عندما أقلعت الطائرة محلقة بنا في سماء أبوظبي نظرت ـ لأول مرة ـ إلى هذه المدينة من دون زايدها، كنت أود لو احتضنتها، مرت الذكريات والأماني كشريط طويل، بدءاً من أحاديثه مع الناس والتي كانت تعرض يومياً على شاشة أبوظبي.. إلى مواقفه مع أناس عرفتهم.. إلى ملامح من شخصيته وهيئته. زايد الإنسان.. الحكيم الصادق.. هو الخط العريض لذكرياتي حول زايد الخير، مازلت أتذكر موقفاً صغيراً وطريفاً لمدربتي في قيادة السيارة عندما قالت لي إنها لن تأتيني غداً بسبب انتهاء تصريحها للتدريب، وقد حاولت تجديده مراراً ولكن لأسباب بيروقراطية سيطول الأمر كثيراً وربما ستترك المهنة. في اليوم التالي كانت المدربة تقف بسيارة التدريب أمام بيتنا، كانت فرحتها تسبقها، سردت لي القصة التي مازلت أذكرها وأبتسم، تقول: «عندما انتهيت من حصتك أمس، مشيت بسيارتي على غير هدى وأمام الدوار القريب من الرأس الأخضر في أبوظبي ـ تحديداً الدوار المقابل لقصر الإمارات ـ رأيت سيارة فيها الشيخ زايد نفسه، كانت السيارة تمشي بهدوء.. وكان من السهل الإشارة له.. سلمت عليه، فأنا لأول مرة أرى الشيخ زايد وجهاً لوجه.. كان لطيفاً وسمحاً.. وعربياً كريماً.. فسألني إن كنت أحتاج شيئاً، فقلت نعم، أحتاج تجديد رخصة التدريب.. فضحك مرافقوه من هذا الطلب البسيط، فالتفت إليهم قائلاً: لها ما طلبت، فتم تجديد الرخصة فوراً. كل المواقف التي سردت أمامي عن الشيخ زايد عنوانها البساطة والسماحة، فوالدي إلى اليوم كلما صافح رجلاً ذا يد ملساء رقيقة تذكر يد الشيخ زايد القوية الصلبة، فيقول بعامية: «الله لوها يد الشيخ زايد». [email protected]
#بلا_حدود