الاثنين - 26 يوليو 2021
الاثنين - 26 يوليو 2021

سنة أولى صيام

التوق لشهر رمضان لا يعرف الوصف ولا توجد مساحة في أي معجم يمكنها التعبير عنه، ولا يدعي هذا المقال المتواضع قدرته على ذلك قطعاً، فهو شهر مرتبط بالرحمة والمغفرة والعتق من النار. هو نبراس مشع يذكّر الغافلين القاطعين للأرحام والمتخاصمين بضرورة وصل الأوتار المقطوعة كي تعم المحبة والألفة ويتماسك النسيج الاجتماعي، فالتعاضد والتآخي لا يتحققان بالفرقة، والهمم الخيرة والنيرة تتطلب الجمع والتآلف. يثير هذا الشهر الفضيل في نفس المرء ذكريات سنوات صيامه الأولى، حيث يمثل بلوغ أطفاله السابعة من العمر لحظة استرجاع تلك الذكريات، فيبدأ بتهيئتهم على الصيام وفق وصية رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام، القاضية بتعليم أبنائنا الصلاة والصيام في السابعة، والتشديد على الالتزام بهما عند العاشرة. ومما أذكره أنني كنت في سنوات صيامي الأولى أمتنع عن الطعام والشراب حتى العصر، حتى أفسد جهدي كله بسبب التوت أو الفرصاد كما نسميه في لهجتنا المحلية، والمترامي على الأطراف في كل مكان، وفي اليوم التالي أتعهد بالالتزام بصومه كاملاً. وكان أكثر ما يشجعني على الصيام التنافس بين أبناء الفريج، حيث كنا نتباهى بمختلف مظاهر الرجولة دون أن نعي ماهيتها الحقيقية، فكان أكبرنا سناً يقرر بأن الرجل هو من يكمل صيامه. وبما أننا كنا نخالط بعضنا معظم الوقت، فقد كان من السهل كشف من يخفق في امتحان الرجولة ذاك. تختلف مظاهر تحفيز الأطفال على الصيام، فقد دأبتُ على تشجيع بناتي على ذلك نظير نيل الحسنات الثمينة، بالإضافة للإحساس بالمعوزين الذين لا يجدون قوت يومهم. بيد أن ذلك لم يمنعهن من المطالبة بمكافآت دنيوية متنوعة، ولم أرَ في ذلك بأساً طالما أنهن سيتدربن على الامتناع عن المأكل والمشرب كمظهر من مظاهر هذا الشهر الفضيل. [email protected]
#بلا_حدود