الجمعة - 25 يونيو 2021
الجمعة - 25 يونيو 2021

هرب

أكاد أتخيل أن فكرة الهرب هي أحد الأفكار الأصيلة المسيطرة على الإنسان، كونها مبنية على ردود أفعاله الأصيلة كذلك كالخوف مثلاً، فالخائف يفكر أول ما يفكر بالهرب سواء جاء شكله تفادياً أو إغماضة عين، أو جرياً إلى أبعد نقطة عن موضع الخطر، مع الوقت ومع تطور الحضارة الفكرية الإنسانية – كما هو مفترض – نجح الإنسان في ابتداع بعداً معنوياً للهرب، فلم يعد التفادي أو الإغماضة أو الجري مرتبطاً بنشاط فيزيائي بدني بقدر ما هو نشاط معنوي، فهو يغمض عقله، ويتفادى شعورياً .. وقد يجري إلى ذلك العالم الموازي للعالم الواقعي، عالم الخيال أو العالم الافتراضي. عالم الخيال بدوره، تحول من شكل من أشكال الهرب، إلى شكل من أشكال المواجهة، وبهذا أشير إلى أهم تلك الأعمال الإبداعية التي كانت تحاول أن تشرح أعظم المخاطر التي واجهت العالم والإنسان وتسلسل الحضارة مقدمة صوراً مستقبلية قبل أوانها تحاول أن تنقذ ما يمكن إنقاذه، وعليه فإن العوالم الأدبية المتنوعة ولعل أبرزها الرواية، انتقلت منذ زمن بعيد من كونها محاولة هرب من الغامض المخيف بالتفسير الأسطوري إلى تشريح للواقع وفهمه عن طريق خط إبداعي مواز، ثم مواجهة لتلك المخاطر التي توالدت مع التحضر المستمر بتقديم صور قد تجعل الهارب للخيال يتوقف، ويشعل ذهنه فهماً وإدراكاً بدلاً من الهرب الهش الذي أراده في بداية الأمر. لكن ماذا عن الواقع الافتراضي الذي انبثق إلى العالم عن طريق الصدفة، بعد أن تحول الاستخدام العسكري لشبكة الإنترنت كما بدأت في تسعينيات القرن الماضي، إلى عالم كامل يضم كل أطياف المجتمعات العالمية ويستخدم لجميع الاستخدامات العسكرية منها والمدنية، وبالتركيز هنا على المجتمع المدني، نرى كيف أن كثراً بدؤوا بالتفاعل مع العالم الافتراضي باعتباره متنفساً من العالم الواقعي، هرب صغير من خوف العالم المسنن والمرتبك وغير القابل للتفسير، لكن مع الوقت تحول الأمر إلى شكل معاكس، بمعنى أن كل تلك الفوضى قد انتقلت بدورها من العالم الواقعي إلى الافتراضي، بل بشكل مكثف أكثر شناعة، فتحول الهرب من العالم الافتراضي إلى الآخر الواقعي، وبينهما لا تزال الحضارة البشرية تعاني من معضلاتها الرئيسة ذاتها، فهل ما زال الهرب المستمر خياراً مطروحاً يجب الأخذ به؟ بشكله المادي والمعنوي معاً. مهندسة وقاصة [email protected]
#بلا_حدود