الثلاثاء - 22 يونيو 2021
الثلاثاء - 22 يونيو 2021

مسكين جمعة

لسببٍ ما تذكرت موقفاً حزيناً ومضحكاً في الوقت نفسه، تعلمت منه أن الإنسان في كثير من الأحيان يحتاج الاحترام أكثر من التعاطف. هذا الموقف قديم جداً، حدث قبل أكثر من ثلاثين عاماً، كنت يومها طالباً في المرحلة الابتدائية، الأستاذ سامي، رحمه الله، معلم الموسيقى، حمل المثلث بيده، وسأل صديقي جمعة «ما هذا الشكل؟»، فأجاب بتردد وخوف «مربع»، فجاءت الصفعة أولاً، ثم جاء الجواب الصحيح! مسكين جمعة، ظل طوال الحصة يغالب البكاء، فتارة ينتصر عليه، وتارة ينهزم أمامه، وما إن غادر المعلم الحصة حتى وضعت يدي على كتفه، وقلت له مواسياً «لا تبكِ يا صديقي، درجات الموسيقى غير محسوبة» .. فما كان منه إلا أن انفجر باكياً بصوت عالٍ، ولم يتوقف إلا عندما جاءته صفعة ثانية من الأستاذ زهير معلم اللغة العربية! بعدها بشهرين أو ثلاثة تعرضت للموقف نفسه، ولكن من الأستاذ فكري، رحمه الله معلم العلوم، وبعد انتهاء الحصة هربت إلى دورة المياه لأغسل وجهي، وأخفي آثار البكاء، لكني عاودت البكاء مرة أخرى في الصف، عندما حاول الأستاذ خليل معلم الحساب التخفيف عني. أنا وجمعة يومها كنا في حاجة إلى احترام الخصوصية أكثر من حاجتنا إلى نظرات التعاطف وعبارات المواساة، كنا نحاول تجاوز لحظة الضعف، والعبور فوقها بسرعة، ولكن الآخرين لم يفطنوا لذلك، فكان ما كان. لا تندهش عزيزي القارئ من اهتمامي بمواقف الطفولة، فشخصياتنا الحالية ما هي إلا نتاج لها، وكل تجربة مررت بها في طفولتك، تترك أثراً بمقدار معين فيك، سواءً لاحظته بنفسك، أو لاحظه الآخرون فيك، نظريات فرويد تقول ذلك، ونظريات أخرى كثيرة تعضد الفكرة ذاتها. جمعة لم يكمل دراسته، وكلما جمعتني به الظروف أتذكر صفعات الطفولة، وتتشكل في ذهني حزمة أسئلة، أهمها: هل كان جمعة أضعف مما ينبغي؟ أم كان يحتاج نظاماً تعليمياً أكثر تطوراً، يتعمق في شخصيته أكثر، ويبحث عن مكامن الإبداع فيها؟ [email protected]
#بلا_حدود