الاثنين - 26 يوليو 2021
الاثنين - 26 يوليو 2021

مآلات الزيارة الملكية لموسكو .. العجلة تدور

للمرة الأولى، تزدان شوارع موسكو بصورة من غلاف مجلة «رشان فيو» في عددها التاسع لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز للترحيب بزيارته الحالية إلى روسيا، رداً على الدعوة التي قدمها له الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، مرفقة مع تقرير تفصيلي عن أبعاد الزيارة على الصعد السياسية والاقتصادية والثقافية. تلك الصورة التي تنتقيها المجلة بعبقرية للملك باللباس السعودي التقليدي، مزروعة في سياق مغاير للسائد الروسي، وليست صورة بالبدلة الرسمية كما تفعل عادة مع زعماء كل الدول، فرادة الصورة في الذاكرة البصرية الروسية المعاصرة ليست في حصدها الانتشار الواسع وجلب القرّاء للمجلة فحسب، لكن أيضاً في كونها لم تُقتطع من زمنها وسياقاتها ومن إشكاليات تقاليدها، وهي رابط أيضاً لما يتوقعه الروس من الزيارة، أن تصبح تمهيداً لمرحلة أكثر تفهماً بين البلدين، مرحلة مستعدة لأن تتخفف من المجافاة وخصومات الماضي، حتى تتخذ معناها التجاوزي الجديد. كان ثمة تباين وسّعته الأحداث ووسّعه أيضاً الإعلام من البلدين، خصوصاً من قبل الصحافة الروسية التي لم تبلغ حد الآن وضع الاحترافية عالمياً رغم الإمكانات، هذا غير موقف ديميتري ميدفيديف الدائم في محاربة الصحافة والإعلام والثقافة لديهم، ولهذا لم يتجاوز الإعلام الروسي مركزيته. وفي معظم استعادات تاريخ العلاقات كان هناك فراغ، إذ إنه ومنذ عهد الاتحاد السوفييتي إلى ما بعد انهياره، كانت العلاقة بين السعودية وروسيا تحتكم إلى القواعد والكوابح، ولم تكن بذلك العمق المخول بأخذها إلى مستويات عليا، في حين كان سيكون لها القدرة، قراراً وتنفيذاً، على أن تتوطد أكثر لو أن الأطراف اجتهدت في تعميقها، لكنها كانت علاقة تتمهل، ومع الأحداث العالمية التي بدا أن لكل طرف منهما موقفاً نقيضاً لم يتسن لهما التوافقات، كان هناك حائط اللغة والاعتبارات الأيديولوجية والخلفيات الثقافية، ثم الميل السعودي للجناح الغربي والثقة بجانبه، وبعدها توالت المغالبات السياسية التي كانت تبتلع ممهدات رتق الشق. هذه الزيارة الجديدة تُملي إرادتها، ما بين بوتين الذي تسلم الحكم من يلتسين سنة 1999 والملك السعودي الذي تسلم الحكم سنة 2015، لا صدفة ولا عشوائية ولا ارتجال، السعودية تطمح لأن تدخل عهداً جديداً بالتزامن مع إطلاق رؤية 2030 تكون فيه قوة شرق أوسطية نافذة ومؤثرة اقتصادياً وسياسياً، دون الاتكاء على عوائد النفط وحدها، أو الاعتماد على تحالفاتها مع المعسكر الغربي. قبل سنتين، فُتحت أبواب العلاقات الثنائية بين روسيا والسعودية مجدداً من بوابة سوريا، وإذا أردنا أن نفهم كيف يلزمنا أن نعود إلى النظر في الأحوال السياسية الإقليمية اليوم، وندقق في كل تلك السياقات، فمن سوريا التي تعتبرها روسيا أول السلّم للنفوذ إلى الشرق الأوسط من جديد وإحلال أثرها محل الأثر الغربي، هناك تباين في وجهات النظر ما بين الجانبين، الجانب السعودي الذي لا يرى للأسد أي مستقبل في سوريا، والجانب الروسي الذي يصر حتى اليوم على بقاء الأسد، ورفض تحريك عملية انتقالية سياسية جادة لا يكون الأسد فيها طرفاً، حتى بالرغم من ضغط دول أوروبا التي رفضت التزامها الذي تعهدت به في مؤتمر بروكسل بالدفع لإعادة إعمار سوريا ما لم تحقق روسيا شرط العملية الانتقالية، لكن روسيا ترغب فعلاً في أن تضيق الخلاف تجاه هده المسألة، كما ذكر ذلك لافروف في زيارته الأخيرة إلى جدة، أيضاً تبرز مشكلة علاقة روسيا الوطيدة مع إيران على السطح، الكثير من الملفات السياسية ستكون على الطاولة، ملف الأزمة القطرية وإقناع قطر بقبول الشروط، والملف اليمني أيضاً، وملف الاستفتاء الكردي لانفصال كردستان سيكون كذلك من بين الموضوعات المطروحة، هل ستدعم روسيا الانفصال وتقويّه كما فعل السوفييت مع دولة «مهاباد» في إيران؟ أم ستُترك مجريات الأمور في يد الحكومة المركزية العراقية وحدها؟ على الأغلب أن روسيا اليوم تشترك مع السعودية في عدة نقاط تجاه الأحداث أعلاه، الرغبة في حكومة علمانية في سوريا، رفض الانفصال الكردي أو على الأقل تأجيل التفاوض بشأنه حتى لا يتسبب في زعزعة المنطقة المشتعلة أصلاً، حل المسألة القطرية مع بقية دول الخليج، وبالنسبة للتقارب مع إيران يمكن لروسيا أن تكون وسيطاً يسعى لحل عدد من الإشكالات ما بين البلدين في اليمن وسوريا، وبما أن روسيا لا تتبنى قاعدة «فرق تسد» الغربية فبإمكانها تحصيل توافقات مع السعودية من جهة، ومع إيران من جهة أخرى، على أن الدولتين تتشاركان حرباً تعاونية ضد الإرهاب وعلى مستويات عدة، حتى ولو لم تكن بالتعاون المباشر، روسيا تعتبر السعودية «حامية الشرق الأوسط» كما يذكر باول ساندرز المستشار السابق في حكومة جورج بوش الابن. من الناحية الاقتصادية، فالسعودية تعد اليوم منطقة جاذبة للاستثمارات الروسية، لكن كانت دوائر الاستثمار السعودية تجهل الكثير عن الاستثمار في روسيا، السبب حاجز اللغة الذي يحول دون تأسيس أرضية صلبة للاستثمارات في أرض الاقتصاد الليبرالي الطليق، كان الإعلام الغربي هو مصدر السعوديين الوحيد عما يجري بداخل روسيا استثمارياً، جملة من الانطباعات المقولبة عن التراخي الاستثماري هناك من قبل الروس، كما تذكر الكاتبة الروسية ماريا دوبوفيكوفا، وأيضاً بعض الاحتياطات الأمنية الروسية العسيرة في المطارات، خصوصاً للقادمين من الشرق الأوسط، والتي كانت تضايق من قدموا من أجل عقد صفقات تجارية أو غيرها، مما يسبب النفور من تلك المنطقة، وأيضاً كان حاجز التأشيرات قصيرة المدى والتي تحد من فرصهم التجارية. لكن الأمور أخذت في التبدل أخيراً، مثلاً فقد بلغ حجم التبادل التجاري ما بين البلدين سنة 2016 ما يقارب أربعة مليارات دولار، القطاع السعودي الخاص يتطور بثبات، والسعودية تقدم كل التسهيلات الضرورية للتعاون مع الروس، ومن الناحية السعودية فالسعودية ستستثمر حوالي 10 بلايين في المشاريع الروسية بالشراكة مع صندوق الاستثمار الروسي، القطاعات الأولية في تلك الشراكات ستكون الزراعة والبنى التحتية والأدوية والخدمات اللوجيستية والنووية والتجزئة، كما أنه وبحسب رؤية روسية فإن السعودية من الدول القلائل الثابتة والتي لا تعد عرضة للاهتزازات الاقتصادية العالمية وتأثيراتها السلبية المباشرة والفادحة، عدا عن كون المستثمرين السعوديين يرغبون في الاستثمار الفعلي بروسيا، ومهتمين بمجالات التطورات العلمية والتكنولوجية والأبحاث لديها. يُتوقع أن تكون هناك اتفاقيات تسليح، وشراء المقاتلات الروسية ستكون من بين الصفقات، يذكر ديميتري شوغاييف مدير الهيئة الفيدرالية الروسية للتعاون العسكري، أن صفقات شراء MiG-35 وأيضا S-400 ستكون مطروحة، وكل هذا متوقع من الزيارة وأبعادها. وفي قطاع الطاقة، فإن لدى البلدين اهتماماً باستقرار الوضع في سوق النفط والغاز، والتوصل لتعاهدات مع منتجي النفط من غير الأعضاء، ومن المتوقع أن تعقد شركة سيبور الروسية للبتروكيماويات وشركة روزنيفت اتفاقيات تعاون مع شركة أرامكو السعودية، كما تذكر بعض المصادر. تتبقى هنا زاوية العلاقات الثقافية ما بين البلدين، وهي في واقعها علاقة غامضة قائمة اليوم على الجهل بعمق كل طرف واستغلاق فهمه، والشكوك وعدم الثقة، لكن ثمة مشتركات أقوى ما بين البلدين قادرة على أن تفتح مخارج للأزمات العالمية، وأيضاً تسوي أزماتها فيما بينها، وتقرب فيما بين المواقف في المسائل الخلافية، ثم يحين دور التلاقي الثقافي. هذه الزيارة ستكون مثار اهتمام دولي و«نقطة تحول وشيء جديد في العلاقات السعودية الروسية» بحسب تعبير أندري باكلانوڤ نائب رئيس جمعية الدبلوماسيين الروس. في الحقيقة الكثير منا يعول على تلك الزيارة، وهي وإن لم يتحقق منها إلا القليل مما يتوقع منها، لكنها بالتأكيد بالنسبة للسعوديين والروس، على حد سواء، تنهي عقوداً من التكلس والتموج في العلاقات، ودليل أن العجلة تدور.
#بلا_حدود