الثلاثاء - 03 أغسطس 2021
الثلاثاء - 03 أغسطس 2021

ترسانة المسؤول

الترحال والعيش وسط القضية المناقشة يعطي أبعاداً أعمق لدراستها، فلا يستشعر بالأمر إلا من يعايشه، فمهما تابعت ودرست الحالات لا يمكنك إدراك المعاناة دون الاقتراب أكثر منها، وهو الأمر الذي لا نراه في بعض القرارات التي يتخذها المسؤولون فتكون بعيدة عن الواقع المعاش. الأمثلة كثيرة ولعل أهمها ما يتردد في كل مجلس ومنزل عن غلاء التعليم الخاص والرسوم التي تفرض تباعاً كاللباس الرسمي والأنشطة المدرسية والكتب وغيرها. وفي التعمق أكثر يتضح أنه بين واضعي القرار والمتأثرين حاجب إسمنتي كبير يتعلق بعدم اكتراث المسؤول بهذه الرسوم، فهو معفي منها لأن درجته الوظيفية عالية، كالمدير التنفيذي أو المدير العام الذين يحصلون على ميزة توفير رسوم التعليم الخاص، وبذلك لا يكترثون بزيادة أسعارها، وعليه لا يطرحونها بجدية. هذه التصرفات تتضح لنا في نواح عدة يمكن إدراكها بالنظر فيها بعين بعيدة عن الشخصنة، فكيف لمسؤول أن يخصص مصعداً لنفسه برقم سري، وموقف خاص لسياراته كي لا ينشغل ويحتكّ بالمراجعين والموظفين، وفي بعض الدوائر يتكدسون أمامه خاصة مع بداية ونهاية الدوام الرسمي. هي تصرفات سلبية تُورَّث تدريجياً للموظفين الأقل منهم في السلم الوظيفي، حتى أصبح بعض مديري الإدارات يصنعون الحواجز الخاصة بهم، والمستغرب هنا أن الحال يتغير في لحظات بمجرد ارتجال مسؤول كبير زائر من سيارته أو وضع رجله عند عتبات ترسانته. بغض النظر.. نجحنا سابقاً في حل هذه المعضلة والترهل، ولكن سرعان ما يعود للأفق مرة أخرى، ولعل هناك أسباباً كثيرة منها تربع المسؤول على منصبه لأكثر من عقدين أو أكثر من ربع قرن، ليصبح الأمر لديه روتيناً مغلفاً بشعار آخر. دون التعميم، لا أود أن أظلم من بقي في منصبة مدة طويلة، فالبعض مجتهد وقريب من موظفيه، ولكني أعتقد أنه سبب يجب النظر فيه، ويجب مراقبة ومتابعة هذه التصرفات قبل انتشارها وتوارثها في الدوائر الحكومية، وألا تصبح عرفاً، خاصة في المؤسسات البعيدة عن أعين الجمهور. فليعلم المسؤول أننا جميعاً عيون تراقب أداء دوائرنا الخدمية وما تقدمه، لأننا شركاء في هذا النموذج الحضاري الذي نفتخر به، والذي وضع أساساته قادتنا الذين يتابعون بعين ثاقبة، ويتلقون الملاحظات، مهما تترس المسؤول، ورسم صورة براقة بعناوين جميلة لكنها غير عملية. [email protected]
#بلا_حدود