السبت - 24 يوليو 2021
السبت - 24 يوليو 2021

التدريب بالوراثة

على مدى حلقتين تكلمت عن بعض شؤون وشجون التدريب من واقع ميداني يعرفه الكثير حسب الردود التي وصلتني. تكلمت عن المعاهد التي تبيع الوهم على شكل شهادات معتمدة وأيضاً تناولت استغلال البعض لشهادته الأكاديمية العليا للخوض فيما لا يحسنه. وأشكر بعض الإخوة الذين اقترحوا الحديث عن «التدريب بالوراثة»، وهو نوع آخر من الاستغلال وهو للمنصب الرفيع الذي يشغله المدرب غير المتمكن من أجل التسويق لنفسه. وأرجو أن يكون واضحاً أني أشير إلى من لم يجتهد على نفسه ويتعلم مهارات التدريب، وإنما تمترس خلف منصبه العالي كمؤهل وحيد يورثه الحق في خوض غمار هذا الميدان. قد تستشكل الفكرة على البعض؛ لأني دائماً أفضل المدرب الذي لديه خبرة عملية وميدانية في المجال الذي سيدرب الآخرين عليه، بالإضافة إلى الخلفية العلمية سواءً الأكاديمية أو من خلال القراءات والمشاهدات المعرفية؛ فكيف أستنكر اليوم قيام المديرين والرؤساء التنفيذين للتصدر في هذا المجال؟ التدريب كغيره من الفنون؛ يحتاج إلى تعلم أسسه وإتقان مهاراته والتمكن من أدواته؛ لأنه ليس مجرد نقل معلومات أو سرد قصص ذاتية هي أقرب للتفاخر منها إلى زرع قيم وتطوير قناعات وسلوك. فمن المعروف أن المعلومة بحد ذاتها لا تمثل أكثر من سبعة في المئة مما يتلقاه المتدرب أثناء الجلسة التدريبية، وأما الباقي فمتعلق بطريقة العرض ونبرة صوت المدرب وإيماءاته الحركية أو ما يطلق عليها اصطلاحاً (لغة الجسد). وهناك أيضاً قواعد وفنون وقوانين متعلقة بإعداد الحقيبة التدريبية والألعاب بمختلف استخداماتها وغيرها من الأدوات التي لا يمكن التمكن منها إلا بالتدرب عليها من خلال دورات احترافية لتدريب المدربين. وعلى صاحب المنصب الرفيع أن يتحلى بالتواضع قليلاً كي يعترف بحاجته لحضور مثل تلك الدورات المهنية. أنا أدرك أن هذا الطلب ثقيل بعض الشيء على الكثير منهم، ويجدها بعضهم أنها لا تليق بمكانته الوظيفية والاجتماعية، وهو يردد المثل العامي «بعد ما شاب ودّوه الكتّاب». وكالعادة لن أشرح المثل لمن لم يفهمه وأحيله إلى «الشيخ جوجل» كي يتفاهم معه. إن عزوف القيادات الإدارية عن التعلم المستمر ظاهرة حقيقية لا تقتصر على ما يخص التدريب. وقد تناولتها سابقاً، وما زلت مقتنعاً أنها من العلامات الفارقة بين القيادي الحقيقي والقيادي المتمترس خلف ألقابه ومناصبه وبشته المذهب. «تَفقَّهُوا قَبْلَ أن تُسَوَّدُوا» مقولة للفاروق عمر رضي الله عنه تلخص كل ما ذكرته. فتعلموا ما دمتم صغاراً قبل السيادة، فإن لم تتعلموا استحييتم أن تتعلموا بعد الكبر، فبقيتم جهلاء. كونوا بخير. [email protected]
#بلا_حدود