الاثنين - 26 يوليو 2021
الاثنين - 26 يوليو 2021

مصانع المحتويات

في الأسبوع الماضي تحدثت عن ظاهرة استخدام الآباء (والأمهات!) الشاشات وسيلة لإلهاء الأبناء وإشغالهم بأي شيء للتخلص من إزعاجهم، الشاشات هنا كلمة تشمل أجهزة مختلفة كالتلفاز وألعاب الفيديو والهواتف والحواسيب على اختلافها، وذكرت كذلك أن هناك من يعمل في مجالات تقنية وأناساً صنعوا وصمموا التقنيات التي نستخدمها؛ هؤلاء يضعون حدوداً لاستخدام التقنية في المنزل لأنهم يدركون أن المبالغة في استخدامها ستضر أبناءهم، وبعضهم يرسل أبناءه إلى مدرسة خالية من الحواسيب والتقنيات الرقمية ويتعلم فيها الطالب بالوسائل التقليدية. في الماضي كانت وسائل الإعلام محدودة في عددها ونطاقها، قنوات التلفاز تعد على أصابع يد واحدة وهي قنوات محلية ولها وقت بث محدد فهي لا تعمل طوال الوقت، الصحف والمجلات كذلك محدودة، الآباء ليس لديهم الكثير لفعله هنا للتأكد بأن محتوى هذه الوسائل مناسب للأبناء، أذكر في ذلك الوقت تحذيرات البعض من «خطر التلفاز» وأتمنى لو أسمع آراءهم اليوم بعد توسع التلفاز ليشمل مئات القنوات الفضائية من عشرات البلدان حول العالم. إنترنت أضافت بعداً آخر لهذه المشكلة، هناك أنواع المحتويات التي يمكن للحاسوب عرضها، ثم هناك الاتصال بكل أنواع الثقافات والتوجهات ثم هناك إمكانية التواصل مع العالم، حتى المناطق التي يصعب الوصول لها يمكن للشخص أن يصل لها باتصال من خلال الشبكة، لو افترضنا حسن نية الجميع لقلنا إن الجميع في الشبكة يسعى لصنع محتويات جيدة، لكن هذا سيكون أسلوب تفكير ساذج. بما أن اقتصاد الشبكة يقوم في أغلبه على عوائد الإعلانات، وهذه بدورها تحتاج للتفاعل بأكبر كم ممكن من قبل الناس، هذا النظام يكافئ من يقدم الكم على الكيف، ولذلك لا غرابة أن تكون هناك مصانع للمحتويات، مؤخراً نشر موقع مقالاً مفصلاً عن ظاهرة مقاطع الفيديو الموجهة للأطفال في يوتيوب، كان للمقال أثر إذ أن معلنين سحبوا إعلاناتهم من الموقع إلى أن يضع الموقع حلاً للمشكلة فبدأ الموقع بحذف هذه القنوات والمقاطع وما زال يعمل على ذلك. لكن الشبكة أكبر من مجرد موقع واحد وحتى هذا الموقع حجمه وصل إلى شيء لا يمكن لأفراد قلة التعامل مع كم المحتويات التي تصلهم، ولا يمكن الاعتماد على المواقع والشركات التقنية لتمارس دورها لأنها هي من صنعت المشكلة وهي من يربح من المشكلة وهي غير قادرة على التعامل مع كم المحتويات الذي يصلها وتستضيفه. لذلك يفترض أن نراجع علاقتنا بالشبكة وما تقدمه وبالشركات التي تقف خلف الخدمات التي نستخدمها. باحث في التنمية والفكر [email protected]
#بلا_حدود