السبت - 31 يوليو 2021
السبت - 31 يوليو 2021

كما تبدو

الصورة الأولى، والحدث في أوله، والموقف في أوج انفجاره، كلها لا تبدو كما رأيتها، وشعرت بها في أول تلامس، وأول تعايش، لذا فإنه حتى رد فعلك لن يكون دقيقاً، أو صحيحاً، وغالباً لن يقودك إلى نتيجة فعلية، لأننا نحتاج إلى وقت لنستوعب القصة كاملة، ويحتاج الشعور إلى أن يتغلغل فيك، وربما ينساب منك، لتصل إلى عمقه، وتعرف إلى أين يأخذك، وكم مر عليك من أحكام أطلقتها، وبعد حين تراجعت عنها، ومن الطبيعي أن تتخلى عنها، لأنها أطلقت بتعجل، وتحت ضغط رد الفعل الأولي، والذي غالباً يكون مشوشاً، وأقرب للمبالغة، ويصعب التجرد من الضغوط حين تكون في مرمى الصور، لأنها تتابع بسرعة ولا تسمح لك بأن تختبرها، أو تتشبع بها وتفهمها، وليس عيباً أن تلتزم الصمت، أو تؤجل إطلاق رأيك أو حكمك، لأن الأهم أن يكون ما تقوله، هو ما تريده فعلاً، وما يخدمك، ويعمل لمصلحتك، لكن تحت وطأة المفاجأة، وربما الصدمة، أنت لن تكون أنت، بل إنسان آخر، مُثار، وغير مهيأ ليقبل أو يرفض، ليغضب أو يرضى. وفي الجانب الآخر، فإن ما تشاهده ليس الحقيقة كاملة، بل قد يكون كله محض هراء وزيف، فأنت حين ترى ما يثير في نفسك مشاعر متلاطمة فإن الصورة ستعمل تلقائياً لتناسب شعورك، إن كان شكاً ستحاول الصورة أن تثبت لك التهمة، وإن كان تصديقاً فإنها كذلك ستحاول أن تنثر البياض في زواياها، لتظنه طهراً، وهو مجرد غطاء، وإن كان انبهاراً، فإنها ستتبدل وتحول المستحيل إلى ممكن، لذا تريث، اهدأ، انتظر يقينك، لا تجازف بالحكم، لأن خيالك سيخدعك، لأنه يعمل تحت أمر رغباتك، ومخاوفك، وأحلامك، يحقق الرغبة ولو وهماً، ويحميك من خوفك ولو بالإنكار أو التعميم، ويعدك بالحلم ويشل دفاعاتك. إنك تحمي نفسك من نفسك، حين تهدأ، وتستطيع أن تتجرد ولو قليلاً وتكون موضوعياً وعقلانياً، تستطيع أن ترى تفاصيل التفاصيل، وتجمع معلوماتك، وتتحكم في الأمور، ولا تشعر بقهر التعجل، كأنك ملاحق، أو قريب من الفقد، تريث لتخرج من فورتك، إلى ركودك. [email protected]
#بلا_حدود