الأربعاء - 28 يوليو 2021
الأربعاء - 28 يوليو 2021

بهجة اللامكتمل

يحدث أحياناً أن يمنحك عدم الاكتمال، الأفق اللازم لتستمر.. لتواصل.. وجدتني أفكر بذلك وأنا أعيد تأمل نهاية عرض «شبح الأوبرا» العرض الأوبرالي الذي يلخص حباً مأساوياً لعبقري الموسيقى المشوه الذي يقع في حب مغنية السوبرانو من طرف واحد وترفضه مقابل حب آخر.. فالشبح المفترض.. الرجل المسخ الذي ينتهي ليؤمن بالموسيقى فقط، بعد قتال عنيف لنيل قلب المغنية.. يختفي تاركاً لنا قناعه الذي كان يخفي تشوهه.. معلقاً لنا النهاية.. فلا هي اكتمال تام ولا هي نقص سافر.. فهل لو أن النهاية جاءت لتحمل موته بشكل قاطع.. كانت لتمنحنا الألق ذاته.. والأفق ذاته للبحث في الاحتمالات؟ للفنان والنحات الإيطالي الشهير مايكل أنجلو مجموعة من ست منحوتات تبدو لمن يتأملها للحظة الأولى غير مكتملة.. فنتوهم أنها أعمال داهمها الموت قبل أن يتمكن منها قبل أن ندرك أنه بعد تمثال «ديفيد» الشهير الأقرب للكمال في جميع تفاصيله أخذ ينتهج شكلاً آخر للعمل النحتي.. العمل غير المكتمل الذي أراد من خلاله أن يتناقض مع الكمال ويتماهى مع أفق التأويل وأتساءل الآن ماذا لو أنه ترك لنا جزءاً ناقصاً من تمثال «ديفيد»، أما كان للكمال ذاك أن يمتلك أفقاً أوسع؟ استذكرت تلك المنحوتات الناقصة وأنا أتوقف أمام لوحة في معرض جمع بين رافييل ودافنشي وأنجلو في المعرض الوطني في العاصمة البريطانية لندن، في هذا المعرض كانت مجموعة لم تكمل لرسومات الفنانين الثلاثة الأمر الذي يبدو أنه سيصبح رائجاً إذ لن تجد المتاحف والمعارض الفنية غضاضة في عرض أعمال غير مكتملة لفنانين عالميين، لأن الأمر لم يعد يرى بعين النقص بقدر ما قد يفتح للمتأمل بوابات الفكرة وشحذ المخيلة وتنمية التأويل وهي أمور تتوازى فيها جميع أنواع الفنون، حتى تلك التي أوشكت على الاكتمال ولم تفعل لتترك للمتلقي تلك المهمة، عموماً وجدتني في ذلك المعرض أتوقف أمام عمل أنجلو الناقص دون غيره، لأنني وددت أن أرى إذا ما كان الوقت داهم أنجلو فعلاً أم أنه قد تعمد أن يترك هذه اللوحة ناقصة على غرار المنحوتة، الأمر الذي بقي مبهماً كونه قد رسم الخطوط الأولية بشكل كامل، وباشر في تلوين اللوحة قبل أن يتوقف، تاركاً لنا البهجة الخفية لتأمل اللامكتمل من اللون، بقصد ربما أو بدونه. [email protected]
#بلا_حدود