الأربعاء - 28 يوليو 2021
الأربعاء - 28 يوليو 2021

اللغة العربية بين الاحتشام والحضور في الغرب

يجمع علماء اللغة واللسانيون المعاصرون على أن اللغة العربية تبقى إحدى أهم عشر لغات في العالم بدأت تفرض نفسها خلال العقد الأخير، خاصة بعد وقوع أحداث الـ 11 سبتمبر التي أرخت بظلالها على المنظومة السياسية والفكرية في الغرب، ودفعت مجموعة من المفكرين والمهتمين بالحوار بين الثقافات إلى اتخاذ كل الإجراءات اللازمة للانفتاح على الثقافة العربية الإسلامية ترجمة ودراسة وتأليفاً، بقصد الاقتراب من مكونات هذه الثقافة التي ظلت لعشرات الأعوام بعيدة عن اهتمام الغرب، لمجموعة من الاعتبارات أهمها على الإطلاق الحرب الباردة والانشغال بالصراع بين المعسكرين الغربي والشرقي فيما مضى. وأدى سقوط جدار برلين إلى تغير بوصلة الغرب تجاه الثقافة العربية، وعبرها بدأ عدد من المستشرقين والمستعربين بدراسة اللغة العربية باعتبارها المفتاح الرئيس للوصول إلى فهم أصيل ومركز ودقيق لهذه الثقافة التي يصنفها النقاد واللسانيون والمفكرون الغربيون ضمن سياق مشرقي خالص مختلف تماماً عن الثقافات الصينية والهندية والفارسية واليابانية. وبرغم ذلك، فهي ترد ضمن كل ما هو غير غربي، وكل ما ينتمي إلى هذا الآخر الذي اختلفت نظرة المفكرين والفلاسفة والمستشرقين الغربيين إليه على الدوام. وعلى مستوى آخر، أسهمت العولمة أيضا في تقريب اللغة العربية من الغرب لتصبح واحدة من اللغات الأجنبية التي شـُـرِع في اعتمادها في الجامعات الأمريكية والفرنسية، ويكفي في هذا السياق أن نشير إلى أن إقبال الطلبة الأمريكيين على دراسة اللغة العربية في أمريكا زاد بنسبة 126 في العقد الأخير، فيما لم تتجاوز نسبة الإقبال على اللغتين الفرنسية والإسبانية ما بين اثنين وعشرة في المئة، ما يظهر بالملموس رغبة الغرب في تشجيع تعلم اللغة العربية والنهل من معين ثقافتها. ويعد عدد من علماء اللغة المعاصرين ومنهم رائد المدرسة النحوية التوليدية اللساني والمفكر الأمريكي نعوم تشومسكي، أن اللغات على اختلافها تتوفر على نحو خاص بها، بينما هناك ما يعرف بالنحو الكلي الذي تشترك فيه اللغات بما هو عنصر من عناصر حياتها، ومن ضمنها طبعاً اللغة العربية التي تركت بصمتها الخاصة في الإنتاج الثقافي والأدبي على المستوى العالمي، عبر عدة أصوات أوصلتها إلى العالمية، خاصة عبر تجربة الروائي المصري الكبير نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1988. وفي هذا السياق، نستحضر قدرة اللغة العربية على اختراق الجدران الحصينة التي شيدها الغرب حوله طيلة عقود، وذلك عبر إدراج جامعات كبيرة من قبيل جامعة هارفارد الأمريكية للغة العربية ضمن مسالكها الجامعية التي يتخصص فيها طلبة أمريكيون، مثلما أن التخرج في مدارج اللغة العربية في الغرب بدأ يؤدي إلى الحصول على وظائف حكومية محترمة، خاصة في مجال التمثيل الدبلوماسي في العالم العربي، وفي مجال الاستشراق أيضاً، برغم تحفظ بعض الأكاديميين من قبيل المفكر الفلسطيني - الأمريكي إدوارد سعيد على النيات الخفية للاستشراق، حيث انتقد نظرة الغرب السلبية للثقافة العربية (بما في ذلك تهميشه للثقافة العربية لعقود)، وتكريس نظرة استعلائية وإيديولوجية مغرضة، سرعان ما تحطمت على شواطئ المثاقفة والحوار الحضاري الذي بدأت تنشده عدد من المراكز البحثية والمعاهد الغربية الجادة. وحري بنا الإشارة إلى أن اللغة العربية باعتبارها لغة سامية قديمة استطاعت فرض ذاتها في عدد من المؤتمرات الغربية، التي خصصت لها بشكل كلي (مؤتمر جامعة ميتشيغان الأمريكية صيف 2018 نموذجاً). ويعد تخليد يوم عالمي للغة العربية من طرف منظمة الأمم المتحدة اعترافاً دولياً صريحاً بالقيمة الرمزية والمكانة المهمة التي باتت تحتلها اللغة العربية على الصعيد العالمي، خاصة أن مجموعة من اللسانيين والخبراء يتوقعون أن يزيد الإقبال على تعلم اللغة العربية في العقد المقبل نظراً لمجموعة من العوامل والمتغيرات الجيو-سياسية التي ستحدث إقليمياً ودولياً.
#بلا_حدود