السبت - 19 يونيو 2021
السبت - 19 يونيو 2021

التجديد اللغوي

هناك العديد من الكلمات التي تدخل على اللغات إما عن طريق الخطأ القاموسي كما يحكي والتر سكيت الخبير المعجمي في مصطلحه الذي ابتكره «الكلمة الشبح» وهي كل كلمة في المعجم ليست من اللغة المستعملة، لكنها جاءت نتيجة خطأ من واضع المعجم، أو خطأ مطبعي، أو نتيجة تدوين خاطئ. وتعتبر طارئاً جديداً وربما غير مقبول من قبل المدافعين عن نقاوة اللغة وحمايتها مما يعتبرونه «لوثة» وتطفلاً سافراً على هيئتها وتراكيبها الأساس، لكن ما يلبث الناس أن يعتادوا على تلك الألفاظ الدخيلة حتى تصبح مع الوقت شيئاً ثابتاً على الألسن وإن لم يتم تضمينها كمكون ثابت في الكتب، أو عن طريق الابتكار الفردي والتجديد في اللغة وإدخال اصطلاحات غير مألوفة. إن الفرد يتشكل مبدئياً بالثقافة المحيطة به، وفي رأيي أن هذا التشكيل يتحدى مستوى الشعور والوعي أحياناً ويكون الإنسان خاضعاً ومترعاً بأحكام البيئة المحيطة به وإيماناتها ونظرتها التفصيلية أو الشاملة للأمور ولفظاتها التي تصف كل مادي ومعنوي. لكن ما إن يكبر الفرد حتى يحاول أن يتنحى ويتنمذج بطريقته الخاصة ولو أن الإطار البيئي الأساس لايزال يحكمه، ويتم هذا التلون داخل هذا الإطار، واللغة نموذج حي وعملي على هذا. اللغة المحكية تجيء مع الفرد في بواكير الطفولة حتى يصل إلى سن معينة تمكنه من قرض كافة المصطلحات اللازمة للتواصل، تبدأ بعدها مرحلة الابتكار في اللغة وإدخال اصطلاحات لم يعتدها الكبار وقد تبدو لهم نافرة. وهو ما يطلق عليه «النيولوجيزم». والنيولوجيزم باختصار هو طريقة توليد معان وألفاظ جديدة لم تكن موجودة قبلاً في اللغة، وقد دخل معظم اللغات في العالم، وليس بعارض لغوي غريب. يكفي أن تمر في الشارع لتسمع ألفاظ الشباب الجديدة المتداولة بينهم لتعرف أن اللغات مهما كانت صلابتها لا تصمد أمام رغبة التجديد والتنويع فيها. ومنذ القدم انقسم الفلاسفة بشأن النيولوجيزم إلى قسمين، فقد علت صيحات بعض فلاسفة التربية مطالبين بالمزيد من حق الفرد في تخير ألفاظه، ولكن تصميم فلاسفة آخرين يصر على حرمان الفرد هذا الحق باعتباره مصدر تشوه شديد في اللغة، وسجل تاريخ الفكر التربوي زاخر بمواقف غزيرة في هذه الحرب المستمرة. ولعلنا هنا لا نجد غضاضة في التنوع الكلامي والتمرد على الصنيع العتيق وهذا لا يعد مصدر قلق دائم. ليس معنى هذا أن فرداً ما لا يصبح حراً إلا إذا هضم كل مكونات الثقافة التي يحيا فيها، وهذا لا يعني أن القديم سيتغربل إلى الأبد، لكن لا بأس من زحزحته قليلاً ليعطي مساحة تجريبية للجديد. [email protected]
#بلا_حدود