الثلاثاء - 28 سبتمبر 2021
الثلاثاء - 28 سبتمبر 2021

الشارقة تسهر على «عناقيد الضياء»

دشّن صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، البارحة الأولى، يرافقه سمو الشيخ سلطان بن محمد بن سلطان القاسمي ولي العهد نائب حاكم الشارقة، مبنى مسرح المجاز، الذي يمثل المقر الرسمي لاحتفالات الشارقة عاصمة الثقافة الإسلامية 2014. وبعد إزاحة الستار عن اللوحة النحاسية إيذاناً بافتتاح المسرح، شهد صاحب السمو حاكم الشارقة وسمو ولي العهد، الملحمة الفنية التاريخية «عناقيد الضياء» التي تسطر سيرة خير البشر وخاتم الأنبياء محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم. وحضر المناسبتين كل من سمو الشيخ عمار بن حميد النعيمي ولي عهد عجمان، سمو الشيخ راشد بن سعود المعلا ولي عهد أم القيوين، سمو الشيخ أحمد بن محمد بن راشد آل مكتوم، والشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع. وأبهر العرض الملحمي الحضور من إلقاء وإضاءة، لتؤكد الملحمة أن العقائد والأديان بين الشعوب والاختلاف بينها لا يعني التصادم أو الصراع بل التعارف والانصهار، وذلك هو ما نص عليه القرآن الكريم قبل 14 قرناً. ويعكس العمل الذي حضره في يومه الأول أكثر من 3500 مشاهد من كبار الشخصيات من داخل وخارج الدولة، قيم الإسلام المتمثلة بالمحبة والعدل والتسامح، عبر لوحاته الفنية الإبداعية المتنوعة، متضمناً معايير فنية رفيعة المستوى. وأوضح سمو ولي العهد نائب حاكم الشارقة، في تصريح له بهذه المناسبة «ها نحن اليوم وبعد سنة من العمل الدؤوب وحشد الجهود وتسخير الإمكانات، نقف وبكل فخر وزهو أمام حدث استثنائي وضخم، وبكل جدارة يدشن كإضافة نيّرة ومشرّفة في سجل إمارة الشارقة الداعمة والناشرة لرسالة الإسلام السمحة وفكره وأساس تكوينه الوسط». وفي الملحمة التاريخية تضافرت الكلمات الوضاءة للشاعر السعودي الدكتور عبدالرحمن عشماوي، وموهبة الموسيقار والملحن البحريني خالد الشيخ، مع أربعة نجوم من العالم العربي هم حسين الجسمي، ولطفي بوشناق، وعلي الحجار، ومحمد عساف، يقودون طاقماً من مئتي ممثل. اللوحة الأولى «الشارقة» أخذنا العرض المسرحي الفني الملحمي من اللحظة الراهنة وفي تجوال مهيب، حيث الشارقة تحتفي بجوهر الإسلام في احتفاليتها الكبيرة، إلى الأراضي المقدسة، إذ تفتحت شجرة الإسلام المباركة، مروراً بزمن الجاهلية، وزمن الانتصارات والبطولات التي صنعت فجر الإسلام المجيد. تنطلق الملحمة من إمارة الشارقة، لتستحضر روح التاريخ وهي ترصد أهم الأحداث التي تضمنتها سيرة خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام، من ولادة الهادي إلى نزول الوحي، ومن غار حراء، إلى رحاب الأرض كلها. وبروح شعرية دافقة وعبر مجموعة من اللوحات تناجي الملحمة في مستهلّها فضاء الشارقة الذي تتكشف عناقيد الضياء في ثناياه، وهي تمسح العتمة بإشعاع الإسلام الذي ملأ آفاقها الرحبة. فمن هذه الأرض الكريمة تبدأ الملحمة نشيدها، محتفية بتسمية الشارقة عاصمة للثقافة الإسلامية وحصناً مضيئاً لها، ذلك أن فجر الشارقة يشعّ بنور الإسلام، وأن فضاءاتها الحميمية لا تكف عن الابتسام متألقة بالأنوار. اللوحة الثانية «مكة» مولد الهدى وعلى إيقاع الموسيقى وأصوات المغنين والجوقة الشجية، تأخذنا الملحمة من إمارة الخير إلى أم القرى، إذ نرى كيف تحتفي الأرض كلها بسيد المرسلين، ويشدو الكون ويفوح أريج الورود وتروي الينابيع التي جرت كل ظمآن، وحيث يفتح القادم أبواب النور ماداً يده بالخير للناس أجمعين. آنذاك كانت الأرض كلها والمدى كله، وكانت مكة المكرمة تنتظر ميلاد نبينا، الذي كان ميلاداً للرضا، وميلاداً للهدى الذي صعدت أم القرى معارجه وتدثرت بأثوابه المباركة. اللوحة الثالثة «نزول الوحي» وانطلاقاً من حكاية اليتم التي نسجت بداية المشوار، تحاكي الملحمة قلب حراء الذي ينبض في جبل النور، والذي انتشى بذلك الضياء، إذ كان سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، يمكث في غار حراء منزل الوحي الأول، حيث اتصل وحي السماء بالأرض، فجاءت أولى آيات الفرقان معلنة ولادة الإسلام وبداية رسالته الجامعة. هناك شهدت الأرض لحظة من أجلّ وأعظم لحظات التاريخ، لحظة نزول الوحي بكلمة «اقرأ» على أسماع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلّم. اللوحة الرابعة «الإسراء والمعراج» وتسري الملحمة سريان الماء في العبارة، وهي ترسم رحلة الإسراء والمعراج، حين سرى نبينا في جنح الدجى على متن البراق، من مكة المكرمة يرى الآيات فيما بين الأرض والسماء، حتى انتهى إلى بيت المقدس. ثم يأخذنا إلى رحلة المعراج حين خرج عليه الصلاة والسلام مع جبريل إلى الملأ الأعلى عند سدرة المنتهى، ففي هذا التطواف تتندى الملحمة بندى السماء «أنت بالمعراج قرّبت المدى/ وإلى السدرة جاوزت الفلك/ وبه فارقت أهل الأرض/ في رحلة الكون ورافقت المَلَك». اللوحة الخامسة «الهجرة» تنتقل بنا الملحمة لتصور الهجرة الأولى وجموع المسلمين تخرج من أبواب مكة، هكذا يتبدى المشهد .. فيما يحمل المسلمون مصابيح الإيمان، إنها الهجرة الكبرى التي تصورها الملحمة آن يبزغ النور من العتمة الدامسة. رحلة المنجاة التي أذن بها الرسول للمسلمين حين اشتد عليهم ظلم وبطش قومهم، ترقبهم عين الله جلّ جلاله، وهم يقطعون الصحراء من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة. إنها الرحلة المباركة وآفاقها الكبرى التي «تتألق بسناها الروح»، ثم تسرد الكلمات هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم ويرافقه أبوبكر الصديق رضي الله عنه، حين مكثا ثلاثة أيام في غار ثور تحرسهم عين الله تعالى، فيما تخبّ خيول قريش في العراء دون جدوى، غير مبصرين سوى «ظلمة الأشباح». إنها الرحلة التي حفظت المهاجرين من البطش الذي كان يتعقبهم على أسنة الرماح ونصال السيوف، وصدح المسرح بأصوات المؤدين: «شمس الهدى شارقة/ والفجر فينا شارق/ والسحب يشدو رعدها/ والبرق فيها بارق/ هذا الحبيب محمد/ هذا النبي الصادق». اللوحة السادسة «المدينة المنورة» وفي فصل آخر من فصول الشدو الجميل، تصور الملحمة ارتقاب أهل يثرب لهذا الموكب الجليل بعيون ترنو وترتسم صورة الأنصار والمهاجرين، الذين تحلقوا حول خير الأنبياء بمودةٍ وتآخٍ نسج الإسلام خيوطه، وربط أواصره النبي عليه الصلاة والسلام، برسالة المحبة التي جاء بها للناس أجمعين. ثم يتهادى الإنشاد رويداً رويداً حتى تختتم الملحمة هذا المشهد بأول أذان للصحابي الجليل بلال بن رباح الحبشي بعد بناء أول مسجد. اللوحة السابعة «معركة بدر» وعند بدر، وعلى صوت بلال وهو ينقل وصايا الرسول الكريم إلى المجاهدين بأن «لا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تقتلوا وليداً ولا امرأة، ولا كبيراً فانياً، ولا منفرداً بصومعته، ولا تمثلوا بالجثث، ولا تقطعوا شجرة، ولا تهدموا بيتاً»، على خطاب الرحمة هذا ومكارم الأخلاق في ساحات السلم والحرب، على إيقاع الرجولة والبطولة، تصور الملحمة بالأصوات العذبة نشيد الانتصار في معركة بدر. ذلك الانتصار الذي مهّد لانتشار الإسلام، وجعل للمسلمين هيبة وكلمة نافذة، وكسر شوكة المشركين معلناً هزيمتهم رغم تفوق العدد والعتاد، بعد أن «رفعوا لواء الكفر وانطلقوا». في حين يرتفع الكورس مصوراً العريش الذي كان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يقود منه المجاهدين. اللوحة الثامنة «يوم الفتح» وبالابتهاج وتباشير النصر، يستهل الكلام العذب هذا المشهد، مستعيداً في أبهى صورة فنية وإبداعية لحظات الفتح الأعظم، حين دخل الرسول الكريم مع جيشه الكبير إلى مكة المكرمة دون قتال. إنه يوم الفتح الأعظم الذي أرسى تعاليم الإسلام في الأرض، وشهد انتصار المسلمين دون إراقة الدماء التي حفظها الرسول عليه الصلاة والسلام، مؤدياً الأمانة التي حملها بروحه ودمه، وحمّلها للأرض كلها: «أنت أديت الأمانة/ أنت أحسنت الإبانة/ وجعلت الخير يسري/ حين أسرجت حصانه». اللوحة التاسعة «وفاة الرسول» عقب الفتح الكبير جاءت خطبة الوداع لتحمل وصايا الرسول الكريم، وهو يتهيّأ لملاقاة وجه ربه، بعد أن أدى أمانته ونشر رسالة الإسلام، رسالة العدل والتسامح التي أوجدت حضارتنا المشيدة على أسس التسامي والمساواة وإشاعة روح الإخاء والمحبة. هنا يأتي النشيد في مقاربة سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم في اللحظات المفعمة بالإيمان والصبر، والحافلة بالبطولات والنصر، وفي لحظات الرحيل المشبعة بالحزن، والتي جعلت الحروف تندى بدموع الالتياع، غير أن الموت حق ودين الإسلام لا يموت.. وهكذا تتهدج الأصوات بالعبارات الراعشة، والموسيقى الراعشة وهي تبكي رحيل سيد المرسلين. وبهذا تصل الملحمة إلى خواتيمها، بعد أن جابت الأرض والسماء، وهي تلقي على الأفئدة، بأشجى الأصوات وأعذب الموسيقى التي تواشجت مع أعظم قصة عرفها التاريخ، مع سيرة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام. اللوحة العاشرة «أنوار الشارقة» غير أن هذا النشيد الملحمي وقبل أن يسدل الستار على فصله الأخير، يعود بنا إلى رحاب الشارقة، حيث روح الإسلام مازالت تسري في فضاءاتها، وحيث احتفالية الشارقة عاصمة للثقافة الإسلامية 2014، تعلن أن الإمارة لم تحِد يوماً عن روح الإسلام وتعاليمه السامية، ولم تفترق عن لحظة الضياء الغامرة. فها هي عناقيد الضياء تبزغ في سماء الشارقة، وها نحن نحتفي كلنا بهذه المناسبة في إمارة الحب والخير والعطاء، و«ها هنا فجر بهي كاللجين/ وهنا شمس تضيء المشرقين/ وعناقيد ضياء لم يزل/ نورها الصافي يريح المقلتين/ وهنا صوت نداء لم يزل/ كلما نادى يهزّ الخافقين/ وهنا شارقة الخير هفا/ قلبها للنور بين الأخشبين».
#بلا_حدود