الاثنين - 27 سبتمبر 2021
الاثنين - 27 سبتمبر 2021

قافية تكتبنا ولا نكتبها

شاعرة تغزل مشاعرها بالأحرف والكلمات، تلونها بالحبر وتكسوها بالورق، تتمرد على الأطر والحدود والقيود والطقوس، تعتبر أن بداية القصيدة هي الأصعب والمحك والبوصلة التي تحدد وجهتها وصدقها وجودتها، تشبهها بهطول المطر الذي تروي قطراته ظمأ الإبداع. تؤمن الشاعرة الإماراتية سلمى فاضل بأن لكل زمان دولة وشعراء، وبأن القصيدة صوت الناس والبسطاء، هي التي تكتبنا ولسنا من يكتبها، لذا تكتب للوطن والسلام والمحبة والحياة منتقية موضوعاتها من البيئة والكون والحلم والخيال. أصدرت فاضل أخيراً ديوانها الشعري الأول بعنوان «روح»، المسكون بـ 30 قصيدة و27 مقطعاً شعرياً في أغراض شعرية متنوعة، تحاول عبرها أن تخلد نفسها وكأنها جسر تعبر به الحاضر إلى المستقبل، لتترك كلمة تبقى وتتردد ويكفيها شرف المحاولة. أهدت «ملامح عمرك» إلى والدها تطمئنه بالقصيد أن تحفظ عهده وتكون له الابن الذي لم ينجبه، فخراً له وبراً به. وتعترف الشاعرة الإماراتية في حوارها مع «الرؤية» بأن للورق مهابة وللكتاب الورقي ديمومته، تعينه التقنية ولكنها لا تلغيه، منوهة بأن الأدوار تكاملية ولكن اندثار الكتاب محال .. وتالياً نص الحوار: * هل القصائد العربية في مأزق حالياً؟ - القصائد العربية من أجمل أنواع الفنون وأكثرها إبداعاً، ولا أرى أنها في مأزق أو تعاني من أي شيء منذ الأزل وحتى اليوم، الشعر الرديء يتلاشى مع الوقت، والجيد يخلّد ذاته، ولا يمكن أن نعتبر أنها تعاني، بل هي ترصد معاناة الناس والمجتمعات والقلوب، فقد كانت القصائد صوت الناس ولسان حالهم، وستبقى كذلك. * هل اختلفت القصيدة أم اختلف أسلوب الشاعر في هذا الزمن؟ - كل شيء يختلف حسب الزمان، فلكل زمان دولة وشعراء. ولكل شاعر أسلوبه ولغته وأدواته الخاصة التي تميزه بغض النظر عن الزمان والمكان. * كيف ترصدين شخوص ومواضيع قصائدك؟ - أحياناً تكون مواضيع قصائدي مواقف شخصية، وأحياناً تكون مما أراه أو أسمعه، أو حتى من وحي الخيال. الشعر هو نتاج طبيعي لمشاعر الإنسان، والشاعر لا يمكن أن يكون شاعراً ما لم يتأثر بكل ما يحيط به .. ومتى دخلت القصيدة منطقة البحث عن الفكرة أو الموضوع، تصبح مصطنعة ولا يمكن أن تصل إلى قلب أحد. لذا بالإمكان القول دوماً أن القصائد هي التي تكتبنا ولسنا من نكتبها. * ما القضيّة الرئيسة عند الشاعرة سلمى فاضل؟ - لا أتبنى قضية معينة، ولا أرغب في ذلك، لأن ذلك يقيّدني في إطار معيّن. وما أن يوُضع الشاعر في إطار يموت إبداعه. أنا أكتب للوطن والحب والحياة والسلام، كل موضوع جميل وإنساني أنا معنية به. * هل أنت راضية عن كل قصائدك، وأيها الأقرب إلى قلبك؟ - مع تقدّمي في الخبرة، بالتأكيد لا أرى أن كل ما قدمته من قصائد كانت بمستوى عالٍ، ولكن هذا لا يعني أنني نادمة عليها أو متنكرة لها. على العكس تماماً، فهذه القصائد تثبت لي مدى تطوّري في الكتابة. أما بالنسبة للأقرب إلى قلبي، فهي قصيدة (ملامح عمرك) التي كتبتها إلى والدي حفظه الله، وهي واقعية تماماً، فليس لدينا أخ ذكر في البيت وجميعنا فتيات، والمعروف دوماً عند العرب أن الابن الذكر هو من يحمل اسم أبيه، ويحمي إرثه، لكنني وددت أن أطمئن أبي أن الفتاة التي رباها بقلبه وروحه ستحمل اسمه وتحفظ عهده. * هل تعانين من مأزق الورقة البيضاء، وكيف تبدو لك لحظة الكتابة؟ - نعم، جميعنا كذلك، أظن أن للورقة البيضاء مهابة خاصة، لكن أيضاً لا ننسى أن البدايات تشبه عملية هطول المطر، تأتي متدفقة وبدون دفع من أحد. لذا ما إن أبدأ الكتابة، حتى يتحوّل هذا المأزق إلى نص شعري يروي ظمأ روحي في كثير من الأوقات. لحظة البدء هي أجمل لحظات الكتابة وأثقلها، لأن هذه البداية هي التي تحدد ميلاد قصيدة جميلة أو وأدها. * كيف ترين مسؤولية المبدع في صنع المستقبل العربي؟ - الكاتب العربي ـ بغض النظر عن أغراضه الأدبية - مسؤول بشكل مباشر عن جودة المنتج الأدبي الذي سنورثه للأجيال القادمة. فإما أن نترك تراثاً مشرّفاً، أو سيحاكمنا التاريخ. كل حرف وكلمة وقصيدة نكتبها اليوم مع الزمن ستوثق مرحلتنا. قد لا نكون وحدنا صناع المستقبل، لكننا حتماً شركاء في الأسباب والنتائج، واجبنا التعبير عن المواقف المشرفة عبر القصائد، أو عبر تقديم نماذج أدبية وشعرية تخلد لزمن بعيد. * وكيف تقرئين تأثير أحداث الوطن العربي على المشهد الإبداعي؟ - تأثير واضح، بدءاً من لغة الشعراء، مروراً بنوعية النصوص وتوجهاتها. اليوم تعيش المنطقة كلها حالة من الفوران النفسي والاجتماعي، لذلك نلاحظ أن مفردات الحروب دخلت بشكل كبير حتى على لغة الشعراء، والنفس الحاد والغضب، هذا بديهي كما ذكرنا أعلاه أن الشاعر يؤثر ويتأثر .. والإنسان دوماً ابن بيئته. هل تتأثرين بالنقد؟ - أرى أن النقد ـ سلباً أو إيجاباً- دليل إثبات على وجود تجربة شعرية استدعت الاطلاع، وهذا بحد ذاته مؤثر. لكن بالتأكيد أنني أستفيد من النقد إما في تطوير موهبتي أو بالتغيير في البحور والقوافي الشعرية التي اعتدت الكتابة فيها. انتقدني أحد الشعراء أخيراً لأنني لا أخرج في كتاباتي عن بحور معينة، ما يسبب رتابة المواضيع التي أطرحها. وهذا النقد جعلني أقرأ كثيراً نصوصاً شعرية مكتوبة في بحور لم أعتد الكتابة فيها، لأُثري قاعدتي اللغوية وأنوع موسيقاي الشعرية، مثل هذا النقد بناء مهما اعتبره البعض قاسياً، خصوصاً إذا جاء من العارف بما يقول والملتزم بأدب الحوار والاختلاف. وفي المقابل أيضاً تصلني إشادات عدة بتجربتي، وخصوصاً بعد إصدار ديواني الأول «روح»، وأضعها في السياق نفسه من الاهتمام ومحاولة الاستفادة. * ما طقوسك في الكتابة؟ - ليست هناك طقوس معينة، متى ما أتت الفكرة في رأسي دونتها. فكرة الطقوس تكاد تكون إلى حد كبير «بدعة» أو اعتقاداً يظنه القارئ وقد شاع مع الوقت، لكن كل مبدع وشاعر لا يمكن أن يصطنع حالة ليكتبها، المسألة دفقة مباشرة بلا طقوس ولا مقدمات، وبلا استئذان في كثير من الأحيان. * هل يطغى الشعر الإلكتروني على الشعر الورقي؟ - حتى الآن الإعلام الإلكتروني ليس بديلاً عن الإعلام الورقي، بل هو مساعد له. وكذلك، لا أعتقد أن الشعر الإلكتروني سيطغى على الشعر الورقي ( إن صحّت التسميتان)! وخصوصاً أن قراءة الشعر ارتبطت عند القراء بتصفح الورق، كما أن من تقاليد وقيم العربي أن تكون لديه مكتبة، فهل تتخيلين وجود مكتبة ونضع على الرفوف «آيباد» مثلاً؟ بالتأكيد لا يمكن ذلك. الكتاب لا يمكن لشيء أن يلغيه أبداً، وسيبقى إرثاً وتاريخاً وحاضراً ومستقبلاً. على الرغم من أنه لا بد أن نعترف بأن التقنية تساعد على توثيقه وانتشاره بين فئة وجيل محدد، لكنها لا يمكن أن تلغي الأصل. الكتاب الورقي هو أب الثقافة، وسأعطيك مثالاً: المعلّم في المدرسة يؤدي دوراً يعادل دور الأب، يربي ويعظ ويعلم، لكن هل يلغي ذلك وجود الأب، أو يغني عنه؟ هذا مستحيل، المسألة تكاملية، قد يأتي شيء ما بعد التكنولوجيا لكن الأصل راسخ لا محالة، وأرى من المبالغة التفكير في أن الكتب ودواوين الشعر الورقية قد تندثر .. هذا محال.
#بلا_حدود