الثلاثاء - 21 سبتمبر 2021
الثلاثاء - 21 سبتمبر 2021

تعلمت من الجندية الحياة .. والسرّ في التوقيع

يردد إبراهيم العوضي بيت أمير الشعراء أحمد شوقي «وللأوطان في دم كل حر يد سلفت ودين مستحق»، مستذكراً مسيرة ملؤها فخر ومجد وعطاء وحياة، في رحلته من المدنية إلى العسكرية التي تعلّم منها دروس الحياة الحقيقية، واكتسب مقومات النجاح والتميز. ولا ينسى أبداً التوقيع الذي غيّر مجرى حياته، وحقق له أمنيته في تلبية نداء الوطن، رغم دموع الأم وقلبها ولهفتها. كانت الأمور تسير هادئة رتيبة في سنوات شبابه الأولى، وهو يتوجه كل صباح إلى دكان والده في سوق مرشد في دبي، ويجلس في الديوانية عصراً، ليستمع من أصدقاء والده إلى أخبار وحكايات التجار، وذكريات أيام الغوص واللؤلؤ. ولم يكن يتخيل أن التحاقه بالسلك العسكري سيغير حياته بشكل إيجابي، ولا يتوقف عن الاعتراف بأن ارتداء الزي العسكري كان سبباً في أن تتوسع مداركه، وتختلف رؤيته للحياة بشكل عام، وعلمته الجندية الانضباط والنظام واحترام الوقت ومفهوم الالتزام، ومعاني التضحية والعطاء والفداء بكل أبعادها. ولم يمض عام حتى اندلعت حرب الخليج الأولى، وبدأ الجنود يستعدون لتلبية واجبهم العسكري في حماية إخوانهم في دولة الكويت. وما زالت ترن في أذنيه ويتراءى أمام ناظريه حماسة الجنود، وصوت القائد الأب الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب اللـه ثراه، وقائد الجيش الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، ورسائلهما الحماسية الصادقة الملهمة للجنود. ودفعه الحماس لكي يبحث عن مخرج لعائق يمنعه من الانضمام إلى صفوف زملائه باعتباره الابن الأوحد، عازماً على ألا يوقفه قرار عسكري يمنع إلحاق الابن الأوحد إلا بموافقة ولي الأمر في صفوف الجيش في الكويت. وأقنع نفسه بأن تزوير توقيع والده ليس خطيئة، فالهدف أكبر وأسمى، إنه الوطن، والضرورات تبيح المحظورات، وحتماً سيعذره الوالد ويغفر له ويشجعه، فليس هناك أسمى من تلبية نداء الوطن. ودّع والده الذي تماسك، ووالدته التي سقطت دموعها خوفاً عليه متوجهاً إلى مقر القيادة ليسجل اسمه جندياً اختصاصه رامي مدفعية. واستمرت المهمة الوطنية ستة أشهر حتى تحررت الكويت وعاد الأمن والأمان للأشقاء، وفي رحلة العودة حملت الذاكرة من الميدان صوراً ومواقف وذكريات مع الرفاق لا يمكن أن تُنسى، وترسخت كلمات القادة في عقله وقلبه إلى نهاية العمر، فليس هناك عشق أسمى من الوطن، أو نخوة أفضل من تلبية نداء الأشقاء. لن تغيب أبداً عن مخيلته صورة والده الذي وقف في صدر البيت مرحباً به في فخر، بعد أن عاد من تأدية واجبه بنجاح، ولن ينسى طيلة حياته صورة أمه وهي تسرع إلى احتضانه وتقبيله طويلاً، حيث اختلطت الدموع بالفرح باللهفة بالفخر لأنها أنجبت ذلك البطل. ولم تمر أيام حتى طلب ليكون مرافقاً عسكرياً لشخصية مهمة في جولة خارجية، وبانتهاء المهمة عاد العوضي مرة أخرى ليلتحق بمؤسسته العسكرية، غير أن قراراً غيّر مسيرة حياته المهنية مرة أخرى، إذ تم فرزه إلى قطاع حكومي مدني في دائرة التشريفات والضيافة في حكومة أبوظبي. وتتوالى المهام، وينتقل من نجاح إلى نجاح، بعد أن تعلم وتشرب أساسياته من الخدمة كجندي في الجيش، ويلتحق للعمل في وزارة شؤون الرئاسة تحت قيادة سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء وزير شؤون الرئاسة. يوجه العوضي رسالة من جندي عتيق إلى أبناء الوطن الذين يلتحقون بالخدمة الإلزامية عنوانها الفخر بانتسابهم إلى ذلك الصرح الذي يخدمون من خلاله العلم، ويردّون جزءاً من جميل الوطن. يؤكد لكل منتسب عن يقين ومحبة وتجربة أن المؤسسة العسكرية مصنع الرجال والأبطال، ومدرسة الحياة التي تفتح الآفاق وتعلم معنى الالتزام والتضحية لعزة الإمارات وشعبها، إنها طريق تتحقق معه أحلام وأمنيات لم تكن متوقعة. يتمنى العوضي لو عاد الشباب به ليلتحق مرة أخرى في صفوف الجيش جندياً مقاتلاً ينفذ أوامر قادته ووصية الوالد زايد الخير طيب الله ثراه محافظاً على وحدة وعزة الإمارات.
#بلا_حدود