السبت - 18 سبتمبر 2021
السبت - 18 سبتمبر 2021

«زوربا» .. عندما ينتصر الرقص على اليأس والحياة

يرى بطل رواية «زوربا» نيكوس كازانتزاكيس أن صديقه المثقف يملك كل شيء ما عدا «الجنون»، فالإنسان حسب رأيه بحاجة إلى الجنون وإلا لن يقطع الحبل الذي يقيد حريته. ونجح كازانتزاكيس من هذا المنطلق الذي رسخ عبره الكاتب اليوناني الرقص كفلسفة في فن الانتصار على الهزيمة واليأس، وتفوق في إلهام غالبية مخرجي السينما والأعمال التلفزيونية والمسرحية والغنائية في العالم. وتطرح الرواية قضية الإنسان المعاصر وهمومه عبر شخصية «زوربا» الذي يواجه مصاعب الحياة وبؤسها بالرقص. ولم تضف الرواية على المنتج الإبداعي سينمائياً وتلفزيوناً أي زخم على مستوى المعادل البصري، بل إن الرواية ولد من رحمها فن راقص قائم على ذاته مثل الدبكة. وأسر زوربا قلوب الكثيرين من المتلقين عبر فيلم «زوربا اليوناني» الذي أنتجته هوليوود عام 1964، محققاً نجاحاً باهراً، إذ بلغت تكلفة إنتاجه آنذاك 783 ألف دولار، وجاء من بطولة أنطوني كوين وآلان بيتس. وترشح الفيلم لسبع جوائز أوسكار، وفاز بثلاث عن أفضل ممثلة مساعدة وأفضل إخراج وأفضل تصوير سينمائي. وجسد كوين دور «زوربا» في أسلوب آخاذ، ولم يفلح الممثلون من بعده في تأدية الدور بالمستوى نفسه، سواء على خشبة المسرح أو تلفزيونياً. ويسرد الفيلم قصة شخصيتين من عالمين مختلفين، الأول كاتب إنجليزي نصفه يوناني يرث منجماً للفحم في اليونان، والثاني عامل بسيط يبحث عن عمل. ويسافر الكاتب إلى اليونان وتحديداً مدينة كريت ليتعرف إلى أملاكه الجديدة، وإذ به يستكشف ذاته في رحلته فيها ذاته ويتحرر من الأوهام ويتعلم كيفية العيش على يدي ذلك العامل البسيط. وبرع المخرج ميهاليس كاكوجيانيس في توظيف أدوات الفيلم ليخرج وكأنه أنشودة غنائية تتحدث عن الحياة وفلسفة الفرح بأداء تمثيلي عال، اقنع عبره كوين الجمهور فلا يمكن لمتابع الفيلم أن ينسى رقصة زوربا التي جسدها بطاقة النشوى القصوى محررة إياه من منغصات العالم المادي، قافزاً على الأرض وعلى وجهه ابتسامة الانتصار على الحياة. وعاد مرة أخرى أنتوني كوين في دور زوربا على مسرح «برودواي»، إذ تجدد عرضها عام 1983 وأدخل عليها تعديلات عام 2009. وأطل «زوربا» عبر فيلم استكلندي بعنوان «بيلي زوربا»، وتدور قصته حول رجل يعتقد أنه زوربا عام 1999، فشخصية زوربا التي يقرأ عنها بطل الفيلم تثير إعجابه ويطمح مع مرور الوقت إلى أن يشبهه ولو بالشيء القليل، فهو محب للحياة ومرح ويعتبر الجنون أمراً ضروري ويرقص في لحظات الحزن واليأس. واتسمت تقنيات الفيلم المستخدمة في التعبير عن الفكرة بالبساطة، وأوصلت رسالة المخرج إلى المشاهد في أسلوب معبر مزج بين واقعية الحياة التي يعيشها إنسان عادي والمسافة بين الحلم في الوصول إلى سعادة زوربا الأسطورة. وكان الحوار في الفيلم واقعياً ببعد فلسفي، إذ قدم طرحاً حقيقياً شديد البساطة والحساسية بملحمية عاطفية ومشاعر محتشدة. وظهر زوربا على خشبة مسرح «أبولو» في إيطاليا عام 2003، كما جسدت شخصيته في مسرحية غنائية بريطانية أخرجتها ليا كاريدا عام 2013. وعرض المسرحية الأول نفذ بهارموني عال في مستوى الأداء التمثيلي والموسيقى لشخصيتين مختلفتين، ولم تخل المسرحية من السخرية والكوميديا في قالب تسلسلي وتصدمك الميلودراما فيها. أما المسرحية الثانية فكانت بمثابة تجسيد بصري وموسيقي لأحداث الرواية ويغلب عليها الطابع الغنائي، إذ يرقص البطل على خشبة المسرح ليؤكد أن الحياة ليست سوى مجرد رقصة سعادة تعبر عن اللامحدود لطموحاته ومخاوفه. وتحول زوربا إلى باليه راقص في مصر وتركيا، بالإضافة إلى مسلسل كرتوني في إيطاليا مستهدفاً الأطفال، وفي عرض باليه القاهرة قدمت الفرقة مع أوركسترا الأوبرا الرقصات التي مثلت علامة فارقة في تاريخ أعمالها الفنية.
#بلا_حدود