الأربعاء - 29 سبتمبر 2021
الأربعاء - 29 سبتمبر 2021

فانتازيا الواقعية السحرية أضعفت النصوص الماركيزية

رحل الكاتب الكولومبي غابريل غارسيا ماركيز عن عالم الفن والأدب بعد أن عاش في منفى اختياري أواخر أيامه، وغاب العم «غابو» كما يفضل الكولومبيون مناداته عن الساحة، مسطراً اسمه في فانتازيا الأدب والسينما التي امتزجت بواقعيته السحرية. ولم يكن حظ ماركيز عظيماً في السينما مقارنة بقامته الأدبية المهمة، إلا أن الأعمال السينمائية والتلفزيونية التي اقتبست من نصوص ماركيزية تتفوق عن غيرها، ولعل الكثيرين لا يعرفون أن ماركيز كان مسؤولاً عن أكاديمية السينما الكوبية، وكتب عدداً من سيناريوهات الأفلام، إلا أنها لم تنجح كما حدث لنصوصه الأدبية. وحوّل مؤلفون أمريكيون وإسبان وعرب روايات ماركيز إلى معادل بصري على شاشات السينما، وعلى الرغم من البنية الأدبية المعقدة لنصوصه من ناحية اللغة والدلالات الأسطورية التي تحتاج إلى معالجة شديدة الدقة لتقديم بدائل مقنعة لرواية مكتوبة بلغتها الأصلية، إلا أن قلة من تلك الأفلام نجحت على الصعيدين الجماهيري والنقدي. وأنتج فيلم «الحب في زمن الكوليرا» عام 2007 من إخراج مايك نويل ومن بطولة خافيير باردم وبنجامين برات، وأمضى المنتج ستايدروف أكثر من ثلاثة أعوام في محاولة لإقناع ماركيز بالسماح له بتحويل الرواية إلى فيلم. وكانت الرواية هي أول عمل لماركيز أنتج داخل أروقة استوديوهات هوليوود، وبعد انتهاء أعمال الفيلم عرضت نسخة تمهيدية لماركيز قبل عرضه على شاشات السينما على الجمهور، إذ أبدى حينها سعادته. ولكن المقارنة الإلزامية التي عقدها المشاهد مع النص الروائي كانت التحدي الرئيس الذي أخفق فيه مخرج الفيلم والمؤلف، فالعمل يعيد صياغة الرواية الأدبية بصرياً بشكل مبتور من جهة تصرفات الممثلين، التي ظهرت لدى العديد منهم غير مفهومة أو غير مقنعة. وتحولت قصة الحب الأسطورية التي نسجها ماركيز بين فيرمينا وفلورنتيو الذي انتظرها 51 عاماً إلى نوع من المشاجرات المفتعلة بين الشخصيات، فضلاً عن المواقف الباردة الحمقاء التي أخرجت فكرة الحب من عمقها الفلسفي بحسب رؤية ماركيز. واختزل المخرج القصة البانورامية للحبيبين والأجواء التي أحاطت بهما بشكل مسطح، إذ اعتمد على الأزياء والمظاهر المفتعلة التي حاولت سد ثغرة الخلل في تنفيذ فكرة النص المفعمة بالألوان والأصوات والروائح والرومانسية العذبة وغيرها من مفردات أغنت النص الروائي. ويرجع السبب في إخفاق الفيلم إلى قدرة الكلمة على منح العقل حرية في التصور وبناء العوالم، بخلاف المعادل البصري الذي يحد من خيال المتلقي، على الرغم من استفادة الفيلم من فنون الموسيقا والتصوير المختلفة لخلق حالة مشابهة من الواقعية السحرية. أما الفيلم الآخر الذي اقتبس من رواية ماركيز فهو «الجميلات النائمات» الإسباني، الذي شارك في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، وهو من إخراج إيلوي لوزانو. وترجم الرواية الكاتب الياباني ياسوناري كاوابتا، وتستند قصة الفيلم إلى أحداث أسطورية من الدرجة الأولى. ويصور الفيلم حياة الرجل العجوز «إيغوشي» الذي يدخل إلى عالم الفتيات الجميلات، ويرصد العمل سعي العجائز المصابين في رغباتهم داخل منزل غامض يأتون إليه لقضاء الليل إلى جانب مراهقات نائمات يتأملونهن. ووقع الفيلم في فخ الملل والإثارة الرخيصة، فلم يبلغ درجة الرقي في التناول ورهافة الأحاسيس التي احتوتها الرواية، على الرغم من أن ماركيز نفسه عبر عن إعجابه بالفيلم. وبدوره، اقتبس السيناريست الإيطالي تونينو جويرا أحداث فيلمه السينمائي المشوق من رواية ماركيز «قصة موت معلن»، وجاء من بطولة روبرت إيفريت وأورنيلا موتي بالتنسيق مع المؤلف فرانشيسكو روزي. وتدور القصة في قرية صغيرة في كولومبيا، إذ يعيش سانتياغو نصار ابن العائلة العربية الذي أعلن الأخوان فيكاريو على الملأ أنهما سيقتلانه ليثأرا لشرف أختهما، وهكذا أصبح موته معلناً ومعروفاً للجميع. وانسجم الفيلم من ناحية الأداء وسيناريو الأحداث مع النص الروائي للقصة التي كتبها ماركيز، ونجح المخرج والكاتب في إبراز الحبكة مقارنة مع أفلام أخرى أخفق الكتاب والقائمون على تنفيذها في إيصال فحواها إلى المتلقي.
#بلا_حدود