الجمعة - 17 سبتمبر 2021
الجمعة - 17 سبتمبر 2021

رحلة الأرواح

عزف أدونيس نغماً ينساب بين الكلمات، فترنم شمة وأنطق عوده أشعاراً في ليلة الإبداع والتلاقي والتسامي التي شهدتها أبوظبي أمس الأول بحضور الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع. غازل أدونيس المرأة وحيا الوطن، منسلاً بين نبضات قلوبنا، بكلمات ليست كالكلمات، تفيض عاطفة وتبدع فكراً وتحلق خيالاً، شاكياً الغربة، فتجاوب معه نصير شمة بألحان وأنغام وكأنها همس الطبيعة، نجوى النفس، خرير الماء وهديل الحمام، وكان الحكم والعقبى للجمهور الذي طفا فوق حواجز الزمان والمكان منتشياً حالماً في ليلة تمنى الحضور فيها ألا تنتهي. لا أحد يحتفي بالشعر كما العرب، هكذا أعلنها ممثل هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة الفرنسي الدكتور رولاندو بيرلتز في محاضرة قبيل بدء الحفل، احتفى فيها بتواصل الأجيال الشعرية كما بدا في تلك الأمسية. استهل نصير شمة الحفل بالنشيد الوطني الإماراتي، ثم أوضح أن أهم ما يميز هذا الحفل هو التجربة الجديدة لفرقته التي تشترك مع أدونيس في رؤية فنية ثقافية. وفي المقابل، تدفقت كلمات أدونيس مثل شلال محمل بالأمنيات وشهقات اللوعة والحنين «ماذا لو أقتلع برج إيفل وأزرع شجرة ياسمين دمشقية؟!»، ويصرخ «أشك المثلث بأضلاعه، الدائرة بمركز الدائرة، أشك الخبز بالملح، هل يخرج الطبع عن مداره؟ هل أنا سمكة تكره الماء؟» ويستمر التساؤل «كيف تمحوني الحقيقة ويثبتني الوهم، من أين أعبر المسافة بينهما؟ دائماً كان بيننا مسافة، أيها الضارب في شريان المسافة استسلم، للريح تشّرد الفضاء، للفضاء يمشي بقدمي طفل، للحب منفى للحب». وتتجاوب ألحان شمة فتنساب بمعزوفة «إشراق» تصدح بها آلة القانون بنغم حنون، ثم يعزف بيد واحدة «رحلة الأرواح» فيصمت الكلام المباح، يرن السكون تهفو الأرواح وينساب الخيال، مستوحياً الفكرة من كتاب بالعنوان نفسه للكاتب ميشيل نيوتن. وكان ختامه مسكاً لنصير شمة بلحن «غدٌ أجمل»، ثم قدم أعضاء فرقته ومن بينهم أول خريج بيت العود في أبوظبي العازف الإماراتي علي عبيد. والتقى قبيل الأمسية، الشاعر أدونيس وسائل الإعلام، مشيراً إلى أن الإنسان يولد شاعراً بالفطرة، لأن همَّ الشاعر بالمعنى العميق هو تغيير العالم والواقع، لافتاً إلى أن الفنون متكاملة ووحدة لا تتجزأ، فالشاعر يكتب شعره مثل لوحة، بالكلمات النابضة نغماً، والشاعر لا بد أن يكون موسيقياً وراقصاً ورساماً. وحول حال الوطن العربي اليوم، أشار أدونيس إلى أن العالم العربي في حرب المئة عام، من دون أهداف ومخططات. وأشار أدونيس إلى علاقة السلطة بالشاعر، لافتاً إلى أن الفنان عموماً كالشجرة يرى في جميع الاتجاهات، أي بآفاق متعددة وليس في اتجاه محدد، ولفت إلى فكرة أن العالم كله واحد فكرة خاطئة. وفي سياق متصل، أوضح أدونيس أن الترجمة إبداع آخر، لكنها تواجه الكثير من التحديات، حيث تحتاج ترجمة الشعر إلى هدم وبناء جديد، فلا يمكن ترجمة الشعر حرفياً لأن الترجمة المرآتية هي خيانة للترجمة، بل الأصح هو هدم الجملة وبناء واحدة جديدة، لأن الخطأ الشعري لا يحتمل، محذراً من أن اللغة العربية اليوم تعيش مأساة.
#بلا_حدود