الاثنين - 27 سبتمبر 2021
الاثنين - 27 سبتمبر 2021

جسار منفي

ودع مهرجان الشارقة للمسرح الصحراوي بادية الكهيف البارحة الأولى بعرض أردني حمل عنوان «حكاية من البادية»، مستوحى من الموروث الأردني للمخرج والمؤلف محمد الضمور. ومزج العرض بين الشعر والغناء والأداء المسرحي المتقن الذي عكس الفلكلور الأردني بحرفية عالية، عبر مضمون متماسك جسد العادات التراثية الأصيلة للقبائل الصحراوية وركز على قيمة الوفاء. وتروي المسرحية قصة حبيبين جمعتهما علاقة إنسانية عاطفية في أجواء البادية، إلا أن الظروف المحيطة بهما تقف عائقاً أمام زواجهما بعد أن يقتل البطل (جسار) رجلاً من القبيلة المجاورة خطأ، ما يدفع قاضي القبيلة إلى الحكم عليه بالنفي في الخلاء. وعلى الرغم من قرار النفي إلا أن الفتاة (زين) تتمسك بخطيبها وترفض طلبات الزواج التي تأتيها من أفضل شباب القبيلة، حتى ينجلي الكرب ويفرج القاضي عن جسار ليكون حراً طليقاً، ويعود إلى حبيبته وتعلن الأفراح وتدق الطبول ويتزوجا. وتفرد العمل بخصوصية جمعت بين تراث بلاد الشام والجزيرة العربية، واستلهم المخرج من الموروث الأردني والتراث الشعبي الكثير من المفردات منها «الأزياء، اللغة، الرقصات، والتقاليد» وغيرها، ليعكس عبرها واقع القبائل التي ما زالت محافظة على عاداتها القديمة في صحراء الأردن. واعتمدت معالجة النص على رؤية تراثية، واستند الديكور على الممثلين أنفسهم الذين كانوا أيقونات متحركة راقصة داخل الفضاء الصحراوي الفلكلوري، يتغيرون بحسب الحديث الجاري بينهم والتصاعد الدرامي للقصة عبر إلقاء القصائد المتنوعة. واتسم الإيقاع الموسيقي بالانسجام مع حركة الفرق الراقصة، ما ضاعف التأثير النفسي لدى المشاهدين عبر اللوحات الفلكلورية الراقية. ونجح المخرج في توظيف الإضاءة لنقل المحمولات الفنية، وجاء الأداء متقناً متماهياً مع الموسيقى والنص والإخراج، إلى جانب الكتابة التي وظفت بشكل احترافي ينم عن وعي فريق العمل وإيمانهم الجاد بثيمة النص. وكان الغناء عاملاً مساعداً لخدمة المحتوى الدرامي، سواء الفردي أو الجماعي الذي شارك فيه مختلف الممثلين على رمال الكهيف، عبر لوحات رسمت مشهديتها بعناية. وصدح الممثلون في كل مشهد من العرض بأشعار وقصائد عدة، تناغمت مع إيقاعات الطبول واللوحات الراقصة. وحظيت «حكاية من البادية» بحضور جماهيري كبير من النقاد والفنانين الذين تبادلوا الآراء النقدية حول ثيمة النص وعناصر السينوغرافيا والإخراج، عبر مسامرة نقدية نظمت بعد انتهاء العرض، مؤكدين أن العمل اتكأ على نظرية المسرح الاحتفالي الذي يستقي أحداثه وشخوصه من التراث والغناء. ولكن المخرج أخفق في تصميمه لرقصة «الدحية» البدوية التي تمارس في الأعراس والمناسبات السعيدة لإثارة الحماس بين أفراد القبائل الأردنية وكان توظيفها غير صحيح، إذ نفذ أداءها أعضاء الفرقة قبل صدور العفو عن (جسار) ما أخل بالتسلسل المنطقي للأحداث.
#بلا_حدود