الخميس - 05 أغسطس 2021
الخميس - 05 أغسطس 2021
No Image Info

ابتكار ثوري لتقليل هدر الطاقة في العالم

في عام 1823، اكتشف العالم الأمريكي سيبيك أن اختلاف درجة الحرارة داخل المادة يُمكن أن تنتج جهداً كهربائياً. ومع دخول البشرية للقرن الحادي والعشرين، ازدادت أهمية الحصول على طاقة دون إهدار جزء منها في الحرارة. فعلى سبيل المثال، تنتج المحركات طاقة لجعل السيارة تتحرك بكفاءة تبلغ نحو 30% فقط. أيّ أن نحو 70% من الطاقة المنتجة يتم إهدارها على شكل حرارة وطاقة صوتية. لنتخيل لو تمكنا من إعادة استخدام الطاقة الحرارية لتوليد المزيد من الكهرباء للسيارات، فنحن نوفر عالماً من الطاقة.

لكن، تبقى هناك أزمة كبيرة تواجه محاولات توفير الطاقة. أزمة عنوانها المواد.

فالمواد التي يُصنع منها المحركات على سبيل المثال لها موصلية حرارية -قدرة على نقل الحرارة- عالية. وبالتالي، يتسرب جزء من الطاقة الناجمة عن احتراق الوقود في صورة حرارة غير مستغلة. لكن، ماذا لو كانت تلك المادة ذات موصلية حرارية شبه منعدمة. يعني ذلك قدرة كبيرة على الاحتفاظ بالحرارة داخل المحرك. يُمكن أن تُستغل تلك الحرارة في توليد قدرة إضافية تُضيف الكثير لكفاءة المحرك عوضاً عن تسربها للخارج.



لكن، معظم المواد ذات الموصلية الحرارية المنعدمة هي مواد عضوية في الأساس -كالخشب- وبالتالي لا يُمكن على الإطلاق استخدامها في صناعة المحركات. لكن، تغير ذلك الأمر تماماً.

ففي دراسة جديدة، ابتكر فريق دولي بقيادة جامعة ليفربول مادة غير عضوية جديدة، لها موصلية حرارية تُساوي تلك التي لدى الأخشاب، وهو اكتشاف ثوري يُمهد الطريق لتطوير مواد كهروحرارية جديدة ستكون ضرورية لمجتمع مستدام.

وبحسب ما نُشر في دورية ساينس المرموقة، يُمثل الابتكار اختراقاً جديداً للتحكم في تدفق الحرارة على المستوى الذري، كما يُقدم رؤى أساسية جديدة في إدارة الطاقة. وبحسب البحث، فتلك المادة ستسرع من عملية تطوير تصميمات جديدة تُحول الحرارة المهدرة إلى طاقة، الأمر الذي سيرفع الكفاءة المتعلقة باستخدام الوقود.

وقال رئيس قسم ابتكار المواد بجامعة ليفربول، ومؤلف الدراسة الرئيسي، مات روسينسكي في تصريحات خاصة لـ«الرؤية»: «إن تلك المادة الصلبة غير العضوية تنقل الحرارة بشكل سيئ يقترب من الهواء نفسه». مؤكداً أن ذلك الاكتشاف ليس هاماً في العلوم الأساسية فحسب، بل له تطبيقات محتملة في العديد من القطاعات لا سيما قطاع الطاقة.

ولتصميم تلك المادة، قام الباحثون أولاً بتحديد الآليات المسؤولة عن النقل الحراري المنخفض على المستوى الذري في العديد من المواد غير العضوية. ثم قاموا باختيار مادة غير عضوية. وأجروا مئات من المحاولات لترتيب ذراتها بشكل يعمل على إبطاء السرعة التي تتحرك بها الحرارة عبر بنية المادة الصلبة.

يشبه انتقال الحرارة في المواد الصلبة انتقال الكهرباء بشكل ما. فحين تتعرض المادة الصلبة للحرارة، تهتز ذراتها، فتصدم الجزيئات ببعضها البعض، لتنقل الطاقة الحرارية فيما بينها. وافترض الباحثون في تلك الدراسة أن ترتيب ذرات المواد بشكل مُعين يُمكن أن يمنع انتقال الحرارة بين الذرات.

بعد ذلك قاموا بتحديد الآليات المسؤولة عن النقل الحراري المنخفض في ترتيب الذرات عن طريق قياس ونمذجة الموصلية الحرارية للهياكل الذرية المختلفة. أي تلك الهياكل التي قام العلماء -باستخدام الكيمياء- بترتيب ذراتها بشكل مُعين.

وبعد 5 أعوام من المحاولات المضنية، توصل الباحثون للمادة الجديدة، والتي لديها ترتيب ذري مُحدد يتمتع بموصلية حرارية أقل بكثير من المادة الأصلية.

فإذا اعتبرنا أن الموصلية الحرارية للصلب على أنها 1، فإن قضيب التيتانيوم له موصلية تُساوي 0.1، والماء وطوب البناء 0.01، والمادة الجديدة هي 0.001 والهواء نفسه هو 0.0005.

يُهدر ما يقرب من 70 % من جميع الطاقة المولدة في العالم على شكل حرارة. تعتبر مواد الموصلية الحرارية المنخفضة ضرورية لتقليل هذا الهدر وتسخيرها. كما يعتبر تطوير مواد حرارية جديدة وأكثر كفاءة، والتي يمكن أن تحول الحرارة إلى كهرباء، مصدراً رئيسياً للطاقة النظيفة. قد يتطلب مجتمع إنترنت الأشياء المتوقع في المستقبل استخدام تلك المواد الكهرو حرارية. فذلك المجتمع يحتاج إلى ما يقرب من تريليون جهاز استشعار لشبكات الاستشعار في كل مكان. وبالتالي فهناك حاجة كبيرة لتطوير تقنيات يمكنها تشغيل هذه المستشعرات دون الحاجة إلى استبدال البطاريات. يتم بذل الكثير من الجهد لتطوير تقنيات الطاقة التي يمكنها حصاد أشكال مختلفة من الطاقة بشكل ديناميكي من البيئة وتحويلها إلى كهرباء.. واحدة من تلك التقنيات ستكون المادة التي ابتكرها الباحثون في تلك الدراسة.

وتُعد الآثار المترتبة على هذا الاكتشاف مهولة، سواء بالنسبة للفهم العلمي الأساسي أو للتطبيقات العملية في الأجهزة الكهروحرارية التي تجمع الحرارة المهدورة، كما يُمكن استخدام تلك المادة كطلاءات تعمل كحاجز حراري لتوربينات غازية أكثر كفاءة.

ولم يُحدد الباحثون بعد كلفة تلك المادة. فحسب روسينسكي لا يزال من المبكر جداً الحديث عن كلفة تصنيع المادة على مستوى كبير.

#بلا_حدود