الخميس - 01 أكتوبر 2020
الخميس - 01 أكتوبر 2020

"غوغل" في نادي التريليون



وصلت القيمة السوقية لشركة "ألفا بت"، في منتصف شهر يناير الحالي، إلى تريليون دولار أمريكي، وهي الشركة التي ظهرت عام 2015 بدلاً من اسمها القديم "غوغل"، وبهذا الرقم الهائل تصبح رابع شركة أمريكية على الإطلاق تصل إلى تلك القيمة، التي لم يكن ممكناً تصورها عند بداية الشركة المتواضعة منذ 22 عاماً عندما تأسست داخل "غاراج" أحد المنازل في كاليفورنيا بالولايات المتحدة.

ولإدراك القيمة الهائلة التي وصلت إليها الشركة، يكفي أن نعلم أن الشركتين الوحيدتين في العالم الآن بقيمة سوقية أكبر هما "أبل" و"مايكروسوفت" عملاقا التكنولوجيا المعروفان، والمفارقة التاريخية أن هذه النقلة الهائلة حدثت بعد أقل قليلاً من شهر واحد من إعلان مؤسسي غوغل "لاري بايج" و"سيرجي برين" التنحي عن أي أداور تنفيذية داخل شركة "ألفا بت".


كانت "أبل" هي الشركة الأولى في التاريخ التي تجاوزت عتبة تريليون دولار كقيمة سوقية وذلك في أوائل أغسطس عام 2018، لتلحقها بعد فترة وجيزة شركة "أمازون" إلا أن تراجع أسهمها بعد ذلك أخرجها من القائمة التريليونية، بينما دخلت مايكروسوفت النادي أيضاً وظلت داخله منذ ذلك الوقت خاصة مع ازدهار أعمالها في الحوسبة السحابية خلال السنوات الأخيرة إضافة إلى حصد الأموال عن طريق منتجاتها الشهيرة مثل ويندوز وأوفيس وإكس بوكس وغيرها.

ولكن عندما يتعلق الأمر بشركة "ألفا بت" فإن مصادر تدفقات الإيرادات كبيرة ومتنوعة، وبطبيعة الحال فإن الدجاجة التي تبيض ذهباً هي محرك البحث الشهير الذى صنع اسم وقيمة الشركة بالأساس، والذي منحها مساحات إعلانية لا نهائية لا يمكن إدراك مداها بشكل واضح، هناك أيضاً الإيرادات القادمة من "يوتيوب" منصة الفيديو العالمية الأشهر والتي تقول بعض التقديرات إن إيراداتها تتراوح بين 16 مليار دولا و25 مليار دولار سنوياً.

ولكن، كيف حققت غوغل هذه الرحلة الناجحة خلال ما يزيد قليلاً عن 20 عاماً؟ يقول البعض إن أبرز تعبير عن هذا النجاح الساحق هو تحول اسم الشركة "غوغل" إلى فعل في اللغة الإنجليزية يعني البحث عن المعلومات.

كانت الفكرة الأولى لغوغل ونشاطها الرئيس هو إنشاء خوارزميات جيدة قادرة على مساعدة الناس في العثور على المعلومات بسرعة عبر متاهات شبكة الإنترنت التي كانت تنمو بسرعة كبيرة منذ ذلك الوقت، وبدلاً من الاتجاه إلى توظيف محررين وباحثين لتنظيم الروابط وتقديمها للمستخدم كفهرس منظم، بدأت غوغل في إنشاء خوارزميات قادرة على البحث والفرز الآلي مع تطبيق بعض المعايير والتدابير القياسية ليتم بعدها ترتيب الصفحات وعرضها في صفحة الاستعلام.

وباستخدام طريقة الترتيب بعدد النقاط، تمكنت غوغل من تقديم نتائج بحث أكثر دقة من العديد من محركات البحث التي سبقتها إلى السوق، وأصبحت تلك الخوارزميات التي يتم تحديثها بشكل مستمر ودائم هي مركز أعمال الشركة الناشئة لأنها كانت قوية وتأتي بنتائج مرتبطة مباشرة بما يبحث عنه المستخدم، ليتحول محرك بحث غوغل إلى الوسيلة الأساسية للعثور على المعلومات عبر شبكة الإنترنت خلال سنوات قليلة.

بعد الاستقرار كوسيلة بحث متطورة، بدأت الشركة البحث عن ربح الأموال من خلال عمليات البحث، وهو الأمر الذي كان محدوداً في السنوات الأولى، إلا أن الخطوة الأولى في هذا الاتجاه كانت مع تقديم مفهوم Adwords للمرة الأولى وهو أسلوب الإعلانات الخاص بغوغل والذي يسمح لمواقع الشركات التجارية بالظهور ضمن نتائج البحث العامة عند استخدام بعض الكلمات المفتاحية. وعلى الرغم من أن النتائج الأولى لم تكن جيدة، إلا أنه بقليل من التطوير والتحديث تحول هذا النظام إلى حالة من النجاح الكبير خاصة مع تطوره ليعرض الإعلانات ذات الصلة بما يبحث عنه المستخدم والذي أدى للمزيد من الأرباح للشركة.

وحتى اليوم، يقوم نظام Adwords بتوفير غالبية العوائد بشكل آلي الأمر الذى يدعم جميع أنشطة وعمليات غوغل، وتلا هذا النظام توفير أسلوب Adsense والذي يسمح بظهور الإعلانات التي توفرها غوغل على مواقع الإنترنت بشكل آلي مع تقاسم عائداتها بين موقع الظهور وشركة غوغل، وهذا الأمر ساعد في فرض هيمنة هائلة للشركة على سوق الإعلانات الرقمية عالمياً.

وبعد استقرار الشركة اعتماداً على النجاح الكبير لمحرك البحث، وما تبعه من العوائد الإعلانية، بدأت غوغل في التحرك للاستحواذ على عدد من الأصول الرقمية القادرة على جذب المزيد من العوائد الإعلانية، وتضمن هذا الأمر الاستحواذ على منصة التدوين الشهيرة "بلوجر" عام 2003 ثم غوغل مابس عام 2005 وأخيراً منصة الفيديو الشهيرة "يوتيوب" عام 2006، لتتوسع الشركة في الخدمات الإلكترونية التي تقدمها وهو ما يعني المزيد من عوائد الإعلانات المحتملة.

ومع ذلك، قامت غوغل بإنشاء عدد من المواقع وتطبيقات الويب التي لم تكن تستهدف بالأساس جذب الإعلانات، ولكنها في نهاية المطاف ساهمت في توسيع الإمبراطورية الرقمية لغوغل إلى آفاق هائلة، وضمن هذا الاتجاه يمكن أن نرصد "كتب غوغل" وهي عبارة عن مستودع للكتب عبر الإنترنت يمكن البحث داخلها خاصة مع استخدام تقنيات تحويل الصور إلى حروف، وتلعب الإعلانات فيها دوراً محدوداً. ويصعب أيضاً العثور على الإعلانات داخل "أخبار غوغل" وهي صفحة تعرض الأخبار في الوقت الحقيقي من آلاف المصادر.

وضمن الخدمات الناجحة التي صنعت أسطورة غوغل، كانت خدمة البريد الإلكتروني Gmail التي ظهرت عام 2004 كخدمة مجانية بدون إعلانات للمستخدم، ولكن في مراحل لاحقة أصبح على المستخدم أن يختار بين النسخة المدفوعة دون إعلانات، أو المجانية مع ظهور الإعلانات، وطرحت غوغل الإصدارات الأولى من هذه الخدمات والتي لم تكن كاملة أو مثالية، ولكنها منحت المستخدم الفرصة للتجريب وعرض الاقتراحات التي يتم تضمينها في الإصدارات التالية.

استمرت غوغل في زيادة عوائدها الإعلانية مع التحسين الشامل في المواقع والخدمات التي تقدمها، وبالنسبة للكثيرين منا يصعب كثيراً أن نتذكر شكل البحث قبل خيار الإكمال التلقائي للكلمات أو النتائج الفورية، أو حتى العثور على عنوان لا يوجد على خرائط غوغل، وعلى الرغم من البداية المبتكرة التي صنعت أساس الشركة، إلا أن جزءاً كبيراً من النجاح يعود إلى الابتكار والإبداع التقني المستمر الذي لم تتوقف الشركة عن تقديمه.

تنظر غوغل إلى الابتكار كجزء من مهمة الشركة وتمنح الفرصة لموظفيها للإبداع، هكذا بدأ عملاق البحث في بناء تكنولوجيا يمكن ارتداؤها، وأنظمة تشغيل للهواتف المحدودة، وسيارات بدون سائق، وتقنيات للطاقة المتجددة، وربما يعود الأمر في هذا الاتجاه إلى أن الشركة لم يعد عليها أن تقلق بشكل العوائد في المقام الأول لأن العائدات تأتي بشكل آلي في المرحلة الحالية، وبالتالي فإن التوسع في الابتكارات يمنح الشركة إمكانية التجريب في آفاق جديدة.

ورغم ذلك شهدت غوغل عدداً من الإخفاقات الكبيرة، ربما أكثر من شركة أخرى، وربما يعود هذا الأمر إلى عدم الخوف من التجريب، ويمكن أن نذكر هنا إنهاء مشروع "غوغل فيديو" بحل أسرع وهو الاستحواذ على منصة يوتيوب، إضافة إلى الفشل في اقتحام مجال الشبكات الاجتماعية حيث لم تثبت شبكة Google+ قدرتها على جذب الجمهور ومنافسة فيس بوك، لتأخذ الشركة قراراها بإغلاق المشروع والانسحاب من هذا القطاع.

الشركة التي بدأت على استحياء، أصحبت اليوم تحتكر غالبية جوانب الحياة على الإنترنت تقريباً، إضافة إلى السيطرة شبه المطلقة على قطاع البحث عبر الإنترنت، تحول متصفح "كروم" الذي طورته الشركة ليكون الأكثر استخداماً بنسبة تصل إلى 63% من سوق المتصفحات، بينما تعمل 90% من الهواتف المحمولة بنظام تشغيل "أندرويد" الذي طورته الشركة، ويسيطر نظام خرائط غوغل على سوق الباحثين عن وجهاتهم، بينما يسود استخدام بريد غوغل بين مختلف الأوساط سواء الشخصية أو المهنية، ناهيك عن هيمنة يوتيوب المملوك للشركة على جميع خدمات مشاركة مقاطع الفيديو، مع سيطرتها (بصحبة فيس بوك) على سوق الإعلانات الرقمية.

لهذه الأسباب وغيرها، لم يكن خبر دخول الشركة إلى نادي التريليون خبراً مفاجئاً.
#بلا_حدود