السبت - 05 ديسمبر 2020
السبت - 05 ديسمبر 2020
No Image

ضربة عنيفة لـ«الإنترنت المظلم»

في ضربة قوية لعصابات الجريمة المنظمة التي تعمل عبر «الإنترنت المظلم»، تمكنت السلطات الألمانية من اقتحام أحد مراكز البيانات الرئيسية التي تشكل محوراً أساسياً من محاور عمل هذه الشبكة وإيقافه عن العمل والقبض على عدد من المسؤولين عن تشغيله، وكانت المفاجأة أن «مركز البيانات» كان يتواجد داخل أحد المخابئ العسكرية المهجورة لحلف شمال الأطلنطي «الناتو».

تم الكشف عن أكثر من 200 جهاز خادم تعمل وفق منطق «التعمية» و«السرية»، وهذا النوع من الخدمات يعمل بمنطق «لا تسأل ولا تتحدث»، حيث لا يسأل مستضيف الخدمة عن نوعية المحتوى أو الخدمات التي يقدمها العميل عبر مواقعه، وفي الوقت نفسه لا يتحدث العميل كثيراً عن مستضيف الخدمة الخاصة به، ومن المعتاد أن تتواجد الخوادم من هذا النوع في البلدان التي لا توجد بها قوانين صارمة تتعلق بمحتوى الويب أو حقوق الملكية الفكرية، ولذا كان من الغريب للغاية العثور على مركز البيانات داخل حدود ألمانيا.

أيضاً من المعروف أن هذا النوع من خدمات الاستضافة لا يهتم كثيراً بخرق القوانين، أو بالاستجابة للطلبات القانونية التي تأتي إلى مقدمي الخدمة، خاصة أن المواقع الفعلية لتواجد أجهزة خوادم الاستضافة تكون في أماكن غير معلنة، وهذه هي الأسباب الأساسية التي تجذب الكثير من المحتوى والخدمات الإجرامية، ومن خلالها تتواجد العشرات من منتديات المواد الإباحية الشاذة، ومواقع الاتجار بالمواد الممنوع تداولها، إضافة إلى توزيع الفيروسات والبرمجيات الضارة على نطاق واسع، والكثير من عمليات الاحتيال الإلكتروني التي تتم انطلاقاً من هذه الخوادم.

المداهمة الأمنية الكبيرة التي حدثت في مدينة «ترابين ترارباخ» الألمانية أسفرت عن القبض على 7 أفراد يشتبه في أنهم جزء من المجموعة التي تدير «مركز البيانات»، وأشارت التقارير الإعلامية إلى مشاركة أكثر من 600 ضابط في العملية التي أسفرت أيضاً عن مصادرة كميات كبيرة من الأموال والوثائق والأجهزة المحمولة وكذلك أكثر من 200 جهاز خادم.

اعتبرت السلطات أحد المقبوض عليهم، وهو رجل يبلغ من العمر 59 عاماً المشتبه الرئيسي، وهو الشخص الذي قام بشراء المخبأ العسكري السابق من السلطات الفيدرالية الألمانية، وقام بتحويله إلى مركز بيانات يعمل حصرياً في «أغراض غير قانونية».

ومن المفاجآت التي كشفت عنها حملة المداهمة، أن هذا المركز الذي عمل لعدة سنوات دون أن يشتبه أحد في نشاطه الحقيقي، كان المستضيف الأساسي لثاني أكبر موقع عالمي لبيع المواد المخدرة عبر شبكة الإنترنت المظلم، بالإضافة إلى اتساع نطاق النشاط الإجرامي المنطلق من خلال خوادمه، حيث أكدت هيئات إنفاذ القانون الألمانية أن هجمات حجب الخدمة واسعة النطاق التي تعرضت لها شركة الاتصالات الألمانية عام 2016 وأثرت على أكثر من مليون مشترك انطلقت من هذا المركز.

قصة الملجأ العسكري الذي تم استخدامه كمركز بيانات لعمليات الإنترنت المظلم تستحق الرواية، حيث يعود تاريخه إلى منتصف السبعينيات، عندما قام جيش ألمانيا الغربية ببناء مخبأ واسع تحت الأرض بعمق 5 طوابق على مساحة 60 ألف قدم مربع تقريباً، وكان هذا الموقع مصمماً لتحمل هجوم نووي، ويحتوي على مؤن تكفي للبقاء 80 يوماً بالداخل دون خروج للعالم الخارجي، بما في ذلك مصادر طاقة في حالات الطوارئ وأكثر من مليون لتر من مياه الشرب، ويبلغ سمك الجدران الخرسانية داخل المبنى 31 بوصة، كما أن الغرف عازلة للصوت ومقاومة للموجات اللاسلكية.

خلال الفترة بين عامي 1976 و2012 تم استخدام المخبأ كمقر رئيسي لقسم الأرصاد الجوية في الجيش الألماني وكان يعمل داخله نحو 350 شخصاً أغلبهم من المدنيين، وفي عام 2012 نقل الجيش الألماني قطاع الأرصاد الجوية إلى مكان آخر، وأدرجت وكالة العقارات الفيدرالية الألمانية المخبأ للبيع مقابل مبلغ ضئيل لا يتجاوز 350 ألف يورو، وهو مبلغ يعكس الطبيعة غير العادية للعقار وكلفة صيانته الباهظة، وكان الأمل الوحيد هو أن تجده إحدى شركات التكنولوجيا مناسباً لأعمالها وتقوم بشرائه، وفي كل الأحوال لم يجذب المبنى الضخم الكثير من المشترين المحتملين.

ولكن في 2013 ظهر شخص مجهول الهوية، أكد لمجلس المدينة الألمانية أنه صاحب شركة تقنية تعمل في خدمات الاستضافة وأبدى رغبته في شراء المبنى مؤكداً لهم أنه سيساهم في تنمية اقتصاد المجتمع المحلي بتوفير عدد من فرص العمل للشباب بالبلدة، وبالفعل تمت عملية الشراء وبدء العمل في خدمات الاستضافة ولكن الرجل ضرب نطاقاً من السرية على الأنشطة التي تتم داخل المخبأ.

وتكشف تقارير إعلامية أن الجيش الألماني كان يستخدم المخبأ بالفعل كمركز بيانات خاصة وأن التصميم الأساسي له يسمح بهذا العمل، ولكن هذا المركز تم تطويره بشكل كبير على يد المشتري الغامض، وتحويله إلى إحدى النقاط المركزية للإنترنت المظلم المخصص حصراً للأعمال غير القانونية، وأكدت الشرطة أن عملية الرصد والاقتحام كانت من العمليات المعقدة والتي يمكن اعتبارها نصراً كبيراً لأن الموقع بطبيعته واستخداماته السابقة كان مؤمناً على أعلى المستويات العسكرية، وأكد رئيس فريق الاقتحام أنه لم يكن عليهم التغلب على وسائل الإعاقة والحماية التقليدية فقط، ولكن أيضاً كان يجب تفكيك دوائر الحماية الرقمية المعقدة لمركز البيانات.

الضربة الأخيرة في ألمانيا، لم تكن الوحيدة خلال الشهور الماضية لمطاردة وحصار الأنشطة غير القانونية في العالم الرقمي، حيث تمكنت جهات إنفاذ القانون في الولايات المتحدة وأوروبا من القبض على 179 من مروجي المواد المخدرة عبر الإنترنت المظلم، وشهدت هذه الحملة مصادرة أكثر من 6.5 مليون دولار من العملات النقدية والافتراضية، إضافة إلى ما يزيد على 1100 رطل من المخدرات من مختلف الأنواع، وضبط 64 قطعة سلاح ناري، واعتبر البوليس الدولي «الإنتربول» أن هذه الحملة تدشن نهاية العصر الذهبي لتجارة المخدرات عبر الإنترنت المظلم.

ويشير مصطلح «الإنترنت المظلم» إلى عدد من المواقع غير المفهرسة التي لا يمكن الوصول إليها بالطريقة العادية لتصفح الإنترنت، حيث تقبع بعيداً في الأعماق السحيقة ولا يصل إليها إلا من يرغب ويعرف الطريق ويمتلك الأدوات التقنية المناسبة، ولذا فإنها تعتبر الملاذ الحصين والخفي للكثير من الأنشطة غير القانونية.

وعلى المستوى التقني لا توجد فهرسة لصفحات هذه الشبكة، ولا تستطيع محركات البحث مثل غوغل وغيرها الوصول إلى هذه الصفحات أو عرض نتائجها، كما تتم الحركة منها وإليها عبر العديد من «الأنفاق» المختلفة، بالإضافة إلى ذلك لا تصلح المتصفحات العادية مثل «فاير فوكس» أو «كروم» للوصول إلى هذه الشبكة.

#بلا_حدود