الجمعة - 18 يونيو 2021
الجمعة - 18 يونيو 2021
No Image Info

مزاد سري يطلق سباق الذكاء الاصطناعي

في خريف 2012، أسس «جيفري هنتون» وهو أستاذ جامعي مرموق شركة جديدة، لم تكن تضم من العاملين غير 2 فقط من طلبة مختبر التقنية الذي يشرف عليه بالجامعة، ولم تكن تلك الشركة الناشئة قد صنعت أي منتجات، ولم يكن لديها أي خطط للصناعة، وحتى موقعها على شبكة الإنترنت لم يقدم أكثر من تعريف مختصر باسم شركة DNN.

No Image Info



إضافة إلى أن هنتون لم يكن من رواد الأعمال، ورغم ذلك كانت كبرى شركات التقنية في العالم على استعداد للدخول في سباق حتى النهاية للحصول على الشركة، وذلك وفقاً لما جاء في كتاب «صناع العباقرة» للمؤلف «كيد ميتز».

كان هنتون، الذي تخصص في مجالات وقدرات الذكاء الاصطناعي منذ السبعينيات من القرن الماضي، يحضر بشكل شبه منتظم التجمع السنوي لعلماء الكمبيوتر المتخصصين في «أنظمة معالجة المعلومات العصبية» والذي يعقد بمنطقة «تاهو»، ولكن هذا العام كان الأمر مختلفاً، حيث كان المؤتمر فرصة مثالية لإجراء مزاد سري لبيع الشركة الناشئة.

قبل شهرين من هذه الأحداث، كان هينتون وطلابه قد غيروا الطريقة التي ترى بها الآلات العالم، حيث استطاعوا بناء ما يسمى بالشبكة العصبية، وهو نظام رياضي تم تصميمه استلهاماً من شبكة الخلايا العصبية في العقل البشري، ويمكن لهذا النظام التعرف على الأشياء الشائعة مثل الزهور والكلاب والسيارات بدقة كانت مستحيلة في السابق، وكما أثبت هينتون وطلابه يمكن للشبكة العصبية الآلية تعلم هذه المهارة البشرية من خلال تحليل كمية هائلة من البيانات، وأطلق الرجل على هذا النظام «التعلم العميق» الذي كان يبشر بإمكانات هائلة.

تعود أفكار الشبكة العصبية إلى الخمسينيات من القرن الماضي، ولكن الرواد الأوائل لم ينجحوا في تنفيذ الفكرة، وبحلول الألفية الجديدة تخلى معظم الباحثين عن الفكرة مقتنعين أنها طريق مسدود، إلا أن هينتون ظل واحداً من القلائل الذين ارتبطوا بها، مع يقين بأن هذه التقنية ستفي بوعودها يوماً ما، وهو ما حدث عام 2012 حيث أصدر هينتون وطلابه ورقة بحثية مكونة من 9 صفحات رصدت بالتفصيل ابتكارهم الجديد الأمر الذي كان انقلاباً هائلاً في المجال.

بعد أيام قليلة من نشر البحث، تلقى هينتون رسالة إلكترونية من «كاي يو» وهو باحث زميل في مجال الذكاء الاصطناعي يعمل في شركة «بايدو» عملاق التكنولوجيا الصيني، ليعرض عليه وعلى طلابه العمل فوراً في الشركة الصينية لسنوات قليلة مقابل 12 مليون دولار. للوهلة الأولى كاد هينتون أن يوقع العقد، ولكن الاتصالات من عمالقة التكنولوجيا الأمريكيين جعلته يتأنى.

ومع بروز فرص أوسع بكثير لتحقيق الأرباح من هذا الابتكار، وبالتشاور مع طلابه، اعتقد هينتون أن الشركات الكبرى على استعداد لدفع مبالغ طائلة لشراء شركة ناشئة أكبر بكثير من مجرد عرض لتوظيف الرجل وفريقه، وهكذا قام الأستاذ بتأسيس شركة حملت اسم DNN في إشارة إلى «الشبكات العصبية العميقة» التي تخصصوا فيها.

كانت أفضل وسيلة لتحصيل عوائد كبيرة من بيع الشركة هو إجراء مزايدة بين الراغبين في الحصول على الابتكار وبطريقة سرية بحيث لا تعلم الشركات أسماء منافسيها، وانتهى الأمر بدخول 4 شركات في السباق هي: بايدو الصينية وغوغل ومايكروسوفت عملاقا أمريكا وشركة ديب مايند التي تأسست في لندن قبل عامين ولم يسمع بها معظم العالم من قبل.

أدار هينتون المزاد من داخل غرفته رقم 731 بالفندق وعبر البريد الإلكتروني، في كل يوم كان يحدد وقتاً للجولة التالية من العطاءات، وفي الساعة المحددة كان يجتمع داخل الغرفة مع طلابه لمتابعة العروض عبر جهاز الكمبيوتر المحمول. ولم يخلُ الأمر من المفارقات، حيث كانت العروض تأتي عبر بريد «جيميل» الذي يستخدمه هينتون، وهو الأمر الذي جعل مايكروسوفت تشكو من استخدام خدمات أحد منافسيها التجاريين، ولكن بعد مشاورات وافق الجميع على إغفال هذه الملاحظة.

كانت قواعد المزايدة بسيطة: بعد تقديم كل عطاء، كان أمام الشركات الأربع ساعة واحدة لرفع سعر الشراء بما لا يقل عن مليون دولار، ويبدأ العد التنازلي اعتباراً من أحدث وقت مسجل على آخر إيميل يصل، وإذا لم يقدم أحد عرضاً جديداً ينتهي المزاد، لم تنجح شركة ديب مايند في البقاء طويلاً وانسحبت، تاركة السباق بين العمالقة الثلاثة، وارتفع سعر الشركة من 15 مليون دولار إلى 22 مليون دولار، لتنسحب مايكروسوفت تاركة السباق بين غوغل وبايدو.

لم يكن هينتون يعرف إلى أي مدى كان المتنافسان على استعداد للذهاب، ولكن الإجابة أتت سريعاً، عندما قفزت أسعار المزايدة إلى 25 ثم 30 ثم 35 مليون دولار، وكانت العطاءات تصل قبل دقيقتين من انتهاء الوقت ما يشعل السباق من جديد، واختصر هينتون وقت القرار إلى نصف ساعة فقط وسرعان ما تجاوزت العطاءات 40 مليون دولار، وفى إحدى الأمسيات عندما وصل السعر إلى 44 مليون دولار، علق هينتون المزاد لبعض الوقت لأنه كان بحاجة إلى النوم.

في اليوم التالي، وقبل 30 دقيقة من موعد استئناف العطاءات، أرسل هينتون رسالة إلكترونية تفيد بأن البداية ستتأخر، وبعد نحو ساعة أرسل رسالة أخرى بأن المزاد انتهى، كان الرجل قد قرر أثناء الليل أن يبيع شركته إلى «غوغل» دون المزايدة على السعر، وأرسل إلى «بايدو» قائلاً إن أي رسائل إلكترونية جديدة تتعلق بالموضوع سيتم تحويلها إلى صاحب العمل الجديد دون أن يذكر اسمه.

لاحقا اعترف هينتون بأن نهاية المزاد كانت هي ما يرغب فيه منذ البداية، لأن مكان تطبيق الأفكار التي يقدمها كانت لا تقل أهمية بالنسبة له وطلابه عن الأموال التي سيحصلون عليها، في ذلك الوقت لم يكن أحد يتوقع مدى الأهمية التي كانت عليها أفكار هينتون، ولكن ظهور التعلم العميق كان بمثابة تحول جذري في طريقة بناء التكنولوجيا الرقمية، فبدلاً من التحديد الدقيق لطريقة تصرف الآلة، بدأ المهندسون في بناء آلات يمكنها تعلم وتطبيق الدروس انطلاقاً من كميات البيانات الهائلة المتاحة، وكانت النتيجة ظهور جيل جديد من الحوسبة لم يكن أقوى من كل شيء سابق فحسب، ولكنه أيضاً كان أكثر غموضاً ولا يمكن التنبؤ به.

#بلا_حدود