يوم الجمعة 20 فبراير هي الذكرى الثالثة لرحيل الأديب الإماراتي أحمد راشد ثاني، لقد التقيته لأول مرة في فصل الشتاء من عام 1972 في طابور الصباح بمدرسة الخليل بن أحمد الابتدائية في مدينة خورفكان، كان يقرأ القرآن الكريم ضمن فقرات الإذاعة المدرسية.
كان في تلك الفترة هادئ الطبع بشكل لافت على الرغم من أنه لم يكن انطوائياً، أما والده راشد ثاني فقد كان صورة مكبرة لأحمد، كان الوالد يضع غترته البيضاء على هيئة كليمبا المشهورة لسكان السواحل في الخليج، لكنه كان رجلاً هادئاً وفائق الاحترام (رحمهما الله جميعاً).
لم أره بعد ذلك مدة 15 سنة، لكني رأيته مرة أخرى عام 1987 في مكتبة الشارقة في المركز الثقافي آنذاك (قصر الثقافة حالياً) رأيته ضمن طاقم أمناء المكتبة، لكنه ما زال ذلك الهادئ المنزوي في ركن بعيد في ردهات المكتبة.
لمع نجم أحمد في الجامعة من خلال تبحره في قضايا الفلسفة والمسرح والشعر العامي، لكن الشعر العامي الذي انتهجه (رحمه الله) كان جنساً أدبياً غريباً على الساحة الإماراتية، على الرغم من شهرته في الكويت والبحرين، فالمشهور هنا الشعر الشعبي النبطي ذو البحور والأوزان، لكن أحمد أنتج شعراً عامياً يتوسل باللهجة العامية البحتة لأهالي خورفكان.
أما في مجال المسرح، فمسرحيته التي حاكى بها أغنية الأرض بتتكلم عربي للفنان الراحل سيد مكاوي والتي كان عنوانها الأرض بتتكلم أوردو، كانت درة الأعمال المسرحية الشبابية في تلك الحقبة من الزمن، وقد فازت في أحد المهرجانات.
ما كان يهمني كثيراً في رحلة المرحوم الأخ أحمد راشد ثاني اهتمامه بالأدب الشعبي وخصوصاً الحكايات الشعبية والموال الزهيري، فقد كان اهتماماً جاداً ومعمقاً، بيد أنه لم يتمكن من إنتاج شيء يذكر في مجال الموال الزهيري، إلا أنه تمكن من إنتاج كثير مما يهم في الحكاية الشعبية الإماراتية.
كتابه حصاة الصبر كان أول كتاب له في الحكايات الشعبية وقد احتوى على 15 حكاية، أتبعه بكتابه الثاني دردميس، والذي احتوى على ثماني حكايات، ثم أصدر كتاب «إلا جمل حمدان في الظل بارك» وقد حوى ذلك الكتاب 24 حكاية، ويبدو أنه بذل فيه جهداً أكبر، تلك الكتب مجتمعة ضمت نماذج حكائية إماراتية مميزة كما ضمت مخزوناً كبيراً من لهجات المنطقة الشرقية، مما يعد عملاً رائداً ومميزاً.
أما في مجال الموال الزهيري فقد شارك معنا في ندوتين أقامتهما إدارة التراث في الشارقة، وكان بيده كشكول قديم لوح لي به وقال: هذه تركتي لمواويل خورفكان، لكن أين هذا الكنز الآن!
على الرغم من انتماء أحمد راشد ثاني لمدرسة الخليل بن أحمد، وأنا هنا أعني مدرسة الخليل بن أحمد بكل ما تحويه من معان ودلالات، إلا أنه كان يحاول دائماً الخروج على تلك المدرسة، بل خرج عنها أيما خروج حتى جحد بها.
أما رحلته الطويلة إلى أبوظبي فقد كانت رحلته الكبرى نحو الإبداع والتفرد، لكن خروجه على مدرسة الخليل بن أحمد لم يكن خروجاً معنوياً فقط، بل كان خروجاً حسياً ملموساً، أعتقد أنه أثر في مجمل حياته إلى مماته، فقد كان خروجاً عن العرف وعلى كثير من المألوف في التقاليد الموروثة.
رحمك الله يا أحمد وأدخلك الجنة.
a.musallam@alroeya.com