الاحد - 08 ديسمبر 2019
الاحد - 08 ديسمبر 2019
No Image

الموسيقى في الفضاء

في عام 1977 أطلقت ناسا مشروعها الاستكشافي الأول للفضاء الذي حمل عنوان مشروع «فوياجر»، ويتكون المشروع من مسبارين «فوياجر1» و«فوياجر2»، اللذين انطلقا بسرعتين مختلفين لاستكشاف أبعد نقطة يمكن الوصول إليها من المجموعة الشمسية وما تحويه من كواكب بجانب الأرض، وهو ما كان أمراً مألوفاً نوعاً ما في تلك الفترة التي عرف عنها تسابق الأنظمة الكبرى في حينها لاستكشاف الفضاء، لكن اللافت في مشروع «فوياجر» وتحديداً في جزء مسباره الذي يحمل «الرقم 1» هو تحميله بأسطوانة غرامافون خاصة تحوي في داخلها ما قد يحدث أول تواصل محتمل بين الكائن الأرضي - الإنسان - وأيّ كائنات ذكية أخرى قد تتحصل على الأسطوانة لدى تقاطع المسبار مع مجالها، فما الذي كان أول ما فكر العلماء بتضمينه فيها، فإلى جانب بعض المعلومات العامة عن كوكب الأرض وكل التحايا المنطوقة فيه، تبدأ تلك الأسطوانة بمدة 30 دقيقة من المقطوعات الموسيقية حول العالم، لماذا الموسيقى؟ كانت الإجابة البديهية في آنها لأنها اللغة التي لن تحتاج إلى تفسير .. لكنها كذلك على الأرض .. فهل سيكون الأمر مماثلاً هناك في الفضاء؟ ومن هناك تبدأ المغامرة، فمع بناء المسبار وتجهيزه بالتقنيات اللازمة لالتقاط الصور الاستكشافية وتحليلها وإرسالها للمنصة المستقبلة أرضياً، كانت هناك رحلة تجهيز لمحتويات تلك الأسطوانة بـ 30 دقيقة من الموسيقى الشمولية التي ستحاول أن تبني أول نقطة تواصل محتملة بين عالمين، لتتضمن موسيقى باخ وبيتهوفن ومقطوعات صينية وأخرى يابانية، مروراً بتلك الشرقية منها والهندية، انتهاءً بالأصوات الأفريقية التي مزجت جميعها لتمثل تلك المصافحة الأولى بين كائنين يجهلان كلياً ما تمكن معرفته عن الآخر.

موضوع الأسطوانة تلك، على هامشيته مقارنة بالغرض الأساسي من المشروع ذاته، يمثل إحدى تلك اللحظات الدقيقة التي تكشف ضرورة التقاطع بين المعارف الإنسانية بما تتضمنه من فنون وتلك العلمية منها، التي يخيل لنا دائماً أنها تسير بشكل متوازٍ لا يستلزم تقاطعاً حقيقاً .. لكن الأمر في ضمنيته هو ليس بتلك البساطة فمع مثال الموسيقى هنا، لم يكن الهدف فقط هو مد لغة قد تكون مؤثرة وكاشفة لمدى التطور الفني والجمالي الذي توصل له الإنسان، بل العودة إلى ذلك التقاطع الدقيق بين الموسيقى والرياضيات، حيث اكتشف فيثاغورث السلم الموسيقي الأول، فكل منتج فني إنساني هو علمي أيضاً والعكس، حيث لا ينسجم التطور الحضاري الحقيقي بفصل أحدهما عن الآخر.

s.obaid@alroeya.com
#بلا_حدود