من الطبيعي أن تهتم الشعوب والأمم بعظمائها من قادة رأي أو سياسة أو دين، وتلتف حولهم وتتخذهم قدوات في مجالاتهم؛ بل إن هذا التوجه الفطري منح التاريخ ودراسته أهمية عظمى وقيمةً إضافية. فالشعوب تجد في تلك القدوات والرموز سبباً لبقائها وازدهارها واستدامة حيويتها، لذا لم يكن مستغرباً من قامة سياسية سامقة كصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، وهو من هو في مجال التاريخ؛ أن ينادي قائلاً: «أيتها الأم . .أيها الأب .. أمسك القلم.. وأجلس أبناءك حولك واكتب وسطر: هذا ما كان يحبه زايد، وهذا ما كان لا يحبه زايد. ونجمع تلك الأوراق .. لا لنضعها على الرفوف، أو نتغنى بها على الدفوف. وإنما لنضعها في الصدور، ونضعها في مقدمة الدستور».

لقد أدرك سموه أن الأجيال الناشئة التي يقع على عاتقها الحفاظ على الدولة وسعادة الأمة وأمنها؛ بحاجة ماسة لاستدعاء التاريخ والاتكاء على شواهده الملهمة، يستعين بها على تلك الأمانة العظيمة. ولعل استذكار الآباء المؤسسين والملهمين هو من ألمع تلك الشواهد وأكثرها فصاحة في التعبير عن أثر الحكمة وصفاء النيات واتحاد الكلمة في استقلال الأمم ونهضتها. وما المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، في الآباء المؤسسين إلا واسطة العقد، ودرة تاج الفخار. وأنا على يقين أن صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، كان يقصد فكر زايد وحكمته بقوله «هذا ما كان يحبه زايد، وهذا ما كان لا يحبه زايد»، لأن سموه يدرك أن الجهلة ينشغلون بالأشخاص، والعامة تهتم بالأحداث، لكن العقلاء يتأملون الأفكار ويستلهمون منها العبر.

وحري بالإماراتيين والخليجيين والعرب بل والعالم المتحضر أن يفتخر بزايد وإرثه الإنساني، وأن يكون ممتناً لتوفيق الله له في مواقفه وسياساته وسيرة حكمه وحكمته.

وما تنعم به الإمارات الآن أسطع دليل على عظمة ذلك الرجل، وبعد نظره. فقبل ما يقرب من نصف قرن كان يسعى للوحدة في حين كان غيره يعمل على تشتيت الأمم، وكان يبني دولة في حين يهدمها غيره، وكان يفتح عقول شعبه على المستقبل باسم الدين في حين سعى غيره وباسم الدين أيضاً لسد كل تلك المنافذ.

بعد كل ما ذكرت؛ لا أعتقد أن من يحمل ذرة من عقل يمكنه أن يستسيغ التطاول على المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، أو النيل من قدره في قلوب شعبه وأمته العربية والإسلامية. ويكفي في الرد على هؤلاء قول الفرزدق:

أُولَئِكَ آبَائي، فَجِئْني بمِثْلِهِمْ

إذا جَمَعَتْنا يا جَرِيرُ المَجَامِعُ

a.alzarooni@alroeya.com