في بداية ثمانينات القرن الماضي، وبينما كانت الحرب العراقية الإيرانية تشتعل في جبهات القتال، فوجئنا بدعوة الرئيس صدام حسين لمقابلة عدد من كتاب القصة، وكنت أنا بينهم.

كانت الدعوة سريعة وطارئة وتمت في ظهيرة اليوم ذاته، لم يكن لدينا أي تصور عن هذا اللقاء حتى أطل الرئيس ورحب بنا ثم بدأ يحكي لنا قصة مغامرات تاريخية متخيلة جرت أحداثها في مدينة بابل التاريخية، بطلاها أميرة وفارس ووحش يخرج من نهر الفرات، ثم طلب منا صياغة هذه الأحداث كقصة أو فيلم أو مسرحية، حتى خرجت فيما بعد كفيلم كارتون حمل اسم (الأميرة والنهر).

عندما كان الرئيس وقتذاك يتحدث، كنت أتساءل: كيف لرئيس دولة وقائد عام للقوات المسلحة أن يتفرغ لحكاية قصص خرافية بينما جيشه يخوض معارك شرسة عند الحدود الشرقية.

بعد ذلك كتب صدام حسين قصصاً أخرى بنفسه، أبرزها (زبيبة والملك) التي حملت بدلاً من اسم الكاتب (قصة لكاتبها)، وتبين أن هناك ثلاث قصص أخرى للرئيس لم تنشر وأن أبرز هواياته كانت كتابة القصص وليست قيادة الحروب فحسب.

تذكرت هذه الحادثة قبل يومين عندما انتهيت من مشاهدة مسلسل عن حياة القائد الشيوعي السوفياتي تروتيسكي الذي اعتبره ستالين منشقاً عن الثورة وحكم بإعدامه غيابياً.

فبعد أن تسبب تروتيسكي بإعدام عشرات الآلاف من الروس ذهب إلى منفاه في المكسيك ليعيش قصة حب مع الرسامة الشهيرة فريدا، ممارساً هوايته بصياغة نظرية الأممية الرابعة.

ستالين الذي خلف لينين، والذي عرف بحقبته الدتكاتورية الرهيبة، والذي قاد الجيش السوفياتي خلال الحرب العالمية الثانية ضد النازية، كان رساماً.

ففي عام 2009 خرجت نحو 20 لوحة إلى العلن بتوقيع ستالين، واللافت أنه كان يكتب على لوحاته ملاحظات ضد بعض الناس مثل جملة «الشرير ذو الشعر الأحمر».

أما هتلر الذي تسبب في إشعال الحرب العالمية الثانية، والتي راح ضحيتها أكثر من 60 مليون شخص، كانت له هواياته البعيدة عن القتل والحروب، والمعروف أنه كان مولعاً بالرسم والعمارة، ولقد أخذ دروساً في الغناء وغنى في كورال الكنيسة، وعندما انتقل إلى فيينا كان يرسم بالألوان المائية، وقد قدّم طلباً للالتحاق بأكاديمية الفنون الجميلة في فيينا، ولكن تم الرفض في المرتين.

أتساءل لو كان صدام حسين اكتفى بكتابة القصص منذ بداياته، وتروتيسكي بصياغة نظرياته فقط، ولو كانت أكاديمية فنون فيينا قبلت هتلر لدراسة الفن، أما كان مسار التاريخ سيتغير ويتجنب العالم حروباً أودت بحياة عشرات الملايين وخربت نصف مدن العالم.

m.fayad@alroeya.ae