رغم ما أشيع عن العرب في الجاهلية أنهم كانوا أجلافاً يتقاتلون من أجل ناقة وتستمر الحروب بينهم عقوداً من الزمن بسبب سباق خيل، إلا أن أشعارهم توحي بأخلاق سامية في مجالات عدة منها: نجدة الملهوف، وإكرام الضيف، والشهامة، والعفو عند المقدرة، والعفة، والوفاء وغيرها. ورغم أن البخل والشح والجبن ونقض العهد مدعاة إلى الهجاء فإن الكرم والشجاعة والنجدة والوفاء وغيرها كانت تدعو إلى الثناء. وقد استوقفني شعر أحد المخضرمين الذين عاشوا في الجاهلية وعاشوا في الإسلام وهو منظور بن سحيم الفقعسي، والذي أدرك الإسلام وعاش في الكوفة، وشعره الذي أورده هنا يحمل في ثناياه أخلاقاً عالية حيث يقول:
ولست بهاجٍ في القِـرى أهلَ منزلٍ
على زادهم أبكـي وأُبكــــي البواكـــيا
فإمــــا كـــرامٌ موســـــــــرون لقيتُــــــــــــــهم
وعندي مـــــن ذو عندهــــم مـا كفانيا
وإمـــــا كـــــــــــــــرامٌ معســــــرون عــــذرتُهم
وإمــــــا لــئـــــــــامٌ فــــــادخـــــرت حَيائيــا
وعـــــرضي أُبقـــي مــــــا ادخَـــــرْتُ ذخـــيـرةً
وبطني أطــــــويه كطـــــــــــــيي ردائـــيا
وممن اشتهر بشعره في مكارم الأخلاق في الجاهلية عنترة بن شداد حيث يقول:
وأغضُ ظــــــرفي مـــــــــا بـــدتْ لي جــــــــــــــــــارتـي
حـــــتى يـــــــــواري جــــــــــــــــــــارتـي مـــــأواهـــــا
إني امـــــــرؤٌ سمــــحُ الخليقــــةِ مـــــــــــــــــــاجــــــدٌ
لا أُتبــــع النفـــــسَ اللجـــــــوجَ هــــــــــــواهــــا
وقوله أيضاً:
هــــــــــــــلا ســــــألــــت الخـــيـــل يابنة مــــــــــالك
إن كــــنت جاهلــــة بمــــــــا لا تعلمــــــــــــــــــــــي
يخبرك مـــــن شهــــــــــد الوقيعـــــــــــــة أنـــني
أغشــــى الـــــوغــــى وأعــــف عند المـــــغــنـــم
ويقول حاتم الطائي معبراً عن كرمه إلى درجة أنه يعتبر نفسه عبداً خادماً للضيف:
وإني لعــــــــــــبدُ الضـــــيــــــــفِ مـــــــــــادام نــــازلاً
ومـــــا فيَّ إلا تلك مـــــن شيمــــة العــبـــد
ويذهب عروة بن الورد، وهو من شعراء الصعاليك، إلى أن يترك أهله والمبيت معهم حتى ينام مع ضيوفه يحدثهم لكي يناموا فيقول:
فــــراشــي فــــراشُ الضـــــيـفِ والبيتُ بيتُــــه
ولــــــــــــم يُلهــــنـــي عــــنه غـــــزالٌ مقنــــــــعُ
أُحــــــــدِّثُه، إن الحــــــديثَ مـــــن القِــــــــــــــــــــــــرى
وتعلــــــمُ نفســــــي أَنه ســــــوف يهــجــــع
ولعل ما ضمَّنَه ميمون بن قيس الملقب بالأعشى من خصالٍ كريمةٍ في شعره ينبيك عن ما كانت عليه أخلاقهم حيث يقول:
إن الأعـــــز أبــــــــــــــــانـا كــــان قــال لنا
أوصـــــــــــــــــــــيكمُ بثـــــــلاث إننـــي تلـــــــــــفُ
الضيف: أوصيكمُ بالضيف إن له
حقــــــاً عــــــلي فــــأعطــــــــيـــــه وأعــــترف
والجار: أوصــيكـــمُ بالجــــــــار إن لــه
يومــــــاً مــــن الدهــــــر يثنيه فينصرف§
وقاتلــــوا القــــــــوم إن القـــــتـــل مكـــــرمـــــــةٌ
إذا تلــــوَّى بكــــف المعصـــــمِ العُـــــــرُف
إذن كانت تلك هي أخلاقهم، لكن كان ينقصها أنها لم تكن خالصة لوجه الله، كما أنها لم تكن على أساس ثابت وراسخ فكان تذهب منهم وتعود، حتى جاء الإسلام فثبتها في القلوب والسلوك، وجعلها من متطلبات الدين، حيث يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (رواه مالك في الموطأ وصححه الألباني)، ويقول صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم» (رواه أحمد).