«أنا ملك التمزيق». هكذا وصف نجيب محفوظ نفسه في إحدى جلسات «الحرافيش». كانوا قد سألوه عن أوراقه، ومخطوطاته؟ فأوضح لهم أنه مرت عليه فترة كان يجمع فيها كل ما كَتب، وما يُكتب عنه أولًا بأول، بعد حين كان يرجع إلى ما جمعه يقلب فيه، فيجده مكررًا بشكل أو بآخر، فأصبح يمزق كل ما يأتيه أولًا بأول خشية أن يمتلئ البيت بالأوراق المعادة، ثم راح يمزق الباقي تدريجيًّا بعد أن عجز عن ترتيبه.

أضاف بحسه الساخر: «أنا ملك التمزيق، كلما تراكم عندي كوم من الأوراق لا أعرف ما بها، هات .. مزق مزق، وإلا فإننا لن نجد مكانًا ننام فيه (...) كنا دائمًا نسكن في المسكن الذي نجده، وليس المسكن الذي نريده، فلم يكن هناك مكان أحتفظ فيه بمخطوطاتي (...) ثم إيش عرفني إني حاكون في يوم من الأيام مهم، ومخطوطاتي حيكون لها قيمة؟!».

أثناء عملي في كتاب «سيرة الرواية المحرمة» كان السؤال:

أين يمكن أن نجد مخطوطة «أولاد حارتنا»؟، ولم أكن أعرف أن هذا السؤال سيقودني في رحلة بحث طويلة بين أربع قارات لأجد أمامي ما لم أكن أعرف بوجوده أصلاً، ليست الرواية وحدها، بل شيئاً آخر أكثر قرباً من «روح الكاتب» وقلبه.

وسط رحلة البحث عن مخطوط «أولاد حارتنا»، لم أجد بديلاً سوى الاتصال ببيت الأديب الكبير، وردت ابنته أم كلثوم، وبعد تعريف وتوضيحات، سألتها: هل لديكم أي معلومة عن المخطوطة الأصلية لرواية «أولاد حارتنا»؟

قالت هدى على الفور: «ليس لدينا مخطوطات ولا معلومات عن (أولاد حارتنا) غير ما نشرته الصحف». وبعد وقت من الأسئلة صمتت أم كلثوم قليلًا ثم قالت: انتظر، لقد تذكرت أن لدينا صندوقًا صغيرًا يتضمن أوراقًا قديمة احتفظت بها أمي، لست واثقة من أنها كتابات أدبية، لأنها أوراق مختلفة ومتناثرة.

تمسكت بخيط الأمل، وحددت معها موعدًا لتفقُّد ما بداخل الصندوق الغامض، وفي الموعد المحدد التقينا، قدمت لي صندوقًا من الكرتون يشبه ملفات الأرشيف ولكن بحجم أكبر .. وأوراق مسطورة غير مرتبة، لما أمسكت إحداها وقعت عيني على اسم «عمر الحمزاوي».

ربما تكون هذه الورقة أول الخيط في العثور على المخطوطة المفقودة، صحيح أن الحمزاوي بطل رواية «الشحاذ»، وليس «أولاد حارتنا»، لكن المفاجأة أن هذه أول ورقة يعثر عليها ناقد أو «باحث أدبي» بخط محفوظ تتضمن نسخة الكتابة الأولى لرواياته، ليس فقط «البروفة» الأخيرة بعد «التبييض»، لكن بروفات مراحل العمل، وتطور الصياغة بما فيها من شطب وتعديلات.

سألت السيدة هدى: ألا توجد أوراق أخرى في أي مكان؟

قالت: لا أظن، هذا كل ما لدينا، وهو تصرف نادر من تصرفات أمي التي لم تكن تحب الاحتفاظ بالأوراق القديمة، خصوصاً أن الروايات صدرت وأصبحت في متناول الجميع.

كانت الأوراق خليطًا من أكثر من عمل، حصلت على نسخة كاملة من الأوراق، وعكفت على فرزها وترتيبها، حتى حصلت على نسخة كاملة من مخطوطة رواية «الشحاذ»، ثم واصلت الفرز حتى انتهيت من ترتيب نسخة من مخطوطة «ميرامار»، مع نثرات من أعمال أخرى غير مكتملة، وكانت المفاجأة الأكبر يوميات محفوظ في رحلته إلى يوغسلافيا.

العثور على هذا «الكنز» كان تحولًا في مسار رحلة البحث، فمن حسن الحظ، أننا لم نفقد كل مخطوطات محفوظ، الذي أكد في أكثر من حوار أنه ألقى بالبروفات الأولى لروايات كثيرة في «سلة القمامة» قبل أن تصبح «نصًّا نهائيًّا»، لكن السيدة زوجته ساهمت في وصول هذا الكنز إلى عشاق محفوظ قبل أن تلحق به في عالم الخلود، والطريف أن محفوظ في أخريات حياته اندهش من تصرفها عندما شاهدها تجمع بعض الأوراق ولا تتخلص منها، فلم تجد شيئًا تبرر به ما فعلت فقالت له: «ربما، نحتاجها في يوم ما».

هكذا تذَكرَتْ هدى محفوظ، وهكذا أتاحت لنا الصدفة، أو بالأدق أتاح لنا الأمل العسير فرصة العثور على «الكنز المحفوظي»، بكل ما يتيحه ذلك للنقاد من دراسات جديدة ومختلفة على تاريخ النص وتطور الشخصيات وأسلوب الكتابة عند صاحب «الثلاثية»، كما تتيح لنا المخطوطات فرصة نادرة للوقوف على المراحل التي سبقت صدور العمل الأدبي في صورته النهائية، فرصة للدخول إلى معمل الكاتب أو مطبخه: تفاصيل العملية الإبداعية لديه، كيف يكتب أعماله؟ كيف يفكر فيها؟ المراحل التي مر بها العمل؟ التعديلات التي طرأت على الكلمات والعبارات؟ اللعب الغزير في مسودات «ما قبل النصّ» .. دلالات التغيير والتعديل؟ كيفية تطور الشخصيات؟ ودرجة حرارة الكاتب واتجاه بوصلته مع تغير مراحل الكتابة؟

* رحلة بين 4 قارات

لكن رحلة البحث عن مخطوطات محفوظ وأوراقه لم تقتصر على بيته، بل امتدت إلى كثيرين: أصدقاء طفولة، أقارب، هُواة جمع مقتنيات الأدباء، حتى أتاح لي صديق كنزاً آخر يتعلق بمحفوظ .. أوراقاً انتقلت منذ سنين طويلة من بيته القديم في العباسية، تحدث عنها محفوظ لرجاء النقاش واعتبر اختفاءها « سرقة عائلية»، تمت بعد حصوله على جائزة نوبل .. سافرت الأوراق وتنقلت بين قارات مختلفة: أمريكا حيث قامت بالشراء شخصية أمريكية، عرضتها على جامعة نيويورك الشهيرة، إلا أنها فضلت في النهاية عرضاً آخر من أحد هواة جمع المقتنيات التاريخية، هذه المرة انتقلت المخطوطة في رحلة عبر الأطلسي إلى لندن.

المشتري الجديد، عرض «كنزه» الذي يبدو أنه لا يدرك أهميته، في أحد المزادات الشهيرة، ولكن الخبر سرعان ما انتشر، ونجحت أسرة أديب نوبل في وقف المزاد، بسبب عدم الحصول على موافقتهم، لتظل النصوص حبيسة «عاصمة الضباب» لفترة، حتى وصلت إلى إحدى الدول العربية، لأحد هواة جمع المخطوطات.

لم تكن في الأمر صعوبة في الاتصال بكل الأطراف من أجل الاطلاع على الأوراق، خصوصاً أنني كنت أبحث فقط عن رسالة الماجستير التي أعدها محفوظ ولم يستكملها عن الفلسفة الإسلامية، كانت ابنته قد قالت إنها ضمن الأوراق التي خرجت من العباسية، وعدتني عاشقة محفوظ الأمريكية بأن ترسل لي ما جمعت من أوراق، وما جمع أصدقاؤها، وعبر رحلة من الاتصالات وجدت أمامي ذات صباح صورة ضوئية من أكثر من 400 صفحة بخط محفوظ.

* الكنز يتجسد

هنا وجدت أمامي كنزاً حقيقياً يخص صاحب نوبل: مخطوطات أعمال حديثة نشرت من قبل، ومعروفة، مثل صفحات من مخطوط «أحلام فترة النقاهة»، أو «الأغانى» .. وبعض القصص القصيرة .. ولكن الأهم ما لم يكن قد نشر من قبل: رواية كاملة تبدو وكأنها بروفة أولى لثلاثية محفوظ، ونصوص في الفلسفة الإسلامية، وقصص من البدايات. أما المفاجأة الأكبر: السيرة الذاتية التي كتبها محفوظ عن طفولته وأسماها «الأعوام» والتي كان قد أشار إليها في الكثير من حواراته من قبل.

هي المرة الأولى، والأخيرة التي يكتب فيها محفوظ سيرته التي تناثرت بطريقة فنية في أعماله الإبداعية .. سيرة تكشف الكثير عن سنوات الطفولة، وتفتح الباب لأسئلة عديدة وجديدة في قراءة نجيب محفوظ، وبداياته.

* على طريقة طه حسين

في عام 1962 خصصت مجلة الكاتب عدداً عن نجيب محفوظ، تضمن العدد حواراً مطولاً أجراه معه فؤاد دواره الذي سأله عن بداياته في عالم الكتابة، أجاب محفوظ: «حين قرأت الأيام لطه حسين ألفت كراسة أو كتاباً كما كنت أسميها وقتذاك أسميتها (الأعوام) .. ورويت فيها قصة حياتي على طريقة طه حسين».

سأله دواره: أ ما زلت محتفظاً بهذه الكراسة إلى اليوم؟

أجاب محفوظ: نعم، موجودة وإن كنت أحتاج إلى نبش كثير حتى أعثر عليها.

فطلب منه دواره أن يحتفظ بها «سنحتاجها بلا ريب حينما ندرس أدبك الدراسة العلمية الواجبة».

بعد سنوات قال محفوظ لرجاء النقاش: «في سنوات الدراسة الابتدائية قرأت لكبار الأدباء وحاولت تقليد أساليبهم، حاولت تقليد أسلوب المنفلوطي في (النظرات والعبرات)، وحاولت كتابة قصة حياتي على غرار الأيام لطه حسين وأسميتها (الأعوام)».

وقال في كتاب «أساتذتي» لإبراهيم عبد العزيز: «لا شك أنني قرأت الأيام لطه حسين بمتعة لا مزيد عليها، وأنا لا أزال أتمرن على الكتابة، ولعلني كنت في أوائل المرحلة الثانوية، فحاولت تقليدها في كراسة أو كشكول وأسميتها (الأعوام) على نفس الوزن، محاولاً أن أقلد نفس الأسلوب ونفس الطريقة، وأحكي فيها عن نشأتي كما حكى طه حسين».

هكذا تحدث نجيب محفوظ في مرات متعددة، وفى فترات زمنية متباعدة أيضاً عن كراسه المفقود، الذي حاول بعض الصحافيين الحصول عليه لنشره في السنوات الأخيرة لمحفوظ، ولكنه خجل من أن يخبرهم بأنه قد سرق من بيته، أخبرهم أنه «نص مفقود».

لم يؤرخ محفوظ نصه، تحدث مرات أنه كتبه في نهاية المرحلة الابتدائية، لكن يبدو هذا الكلام ليس دقيقاً إذ تخرج من «الابتدائية» عام 1925 أي قبل أن يكتب طه حسين نصه، وتحدث مرات أخرى أنه كتب في المرحلة الثانوية، بدون أن يحدد عاماً محدداً، لكن الأوراق تكشف أن تاريخ كتابتها يرجع إلى عام 1929 بسبب تشابه نوع الورق، والقلم المستخدم في الكتابة مع نص آخر هو «الأساليب» المؤرخ بـ سبتمبر 1929.

ولكن بعيداً عن جدل التأريخ، فإننا للمرة الأولى - ربما - نجد أنفسنا أمام نص عارٍ تماماً، أمام نص السيرة كما كتبها محفوظ كسيرة، لن تتناثر في أعماله الأدبية، سيرة بضمير المتكلم، يتحدث فيها بلسان الصبي أحياناً، أو الفتى أحياناً أخرى كما فعل طه حسين في أيامه، تسلل عبارات من المنفلوطي أيضاً، ونواجه حكايات العفاريت والجن التي شكلت جزءاً من خياله.

في سيرة الطفل نجيب محفوظ، لسنا أمام سرد الطفولة فقط بقدر ما نحن أيضاً أمام سرد يقدمه شاب يغادر منذ قليل عوالم الطفولة .. سرد يقدم لنا العالم كما يراه طفل، بالنسبة إليه كل كائن وكل مشهد، وكل حدث حتى وإن كان عادياً أو مبتذلاً فهو مبعث دهشة. مذكرات تنقل لنا نضارة نظرة الطفل، وبراءاته التي تحول الواقع، فيبني انطلاقاً من أشياء تافهة عالماً من الخوارق.

* الطفل أبو الرجل

يستعير عالم النفس الشهير سيجموند فرويد من الشاعر الإنجليزي وليم وردزورث مقولته: «الطفل أبو الرجل» .. مؤكداً أن «السنوات الخمس الأولى من عمر أي إنسان هي التي تحدد مسار شخصيته في المستقبل» .. لأنه في السنوات الخمس الأولى من عمره يتلقى التربية الأولى التي تغرس في نفسه كل العادات والتقاليد والأعراف والمفاهيم التي سينشأ عليها، وهي التي تثير فيه كل القوى والإمكانات والمواهب التي سوف يستثمرها مستقبلاً. قد يختلف علماء آخرون مع فرويد وأفكاره، في أن السنوات الخمس الأولى لا تحدد ذلك المستقبل، وإنما السنوات العشرين الأولى من حياة أي فنان (أديباً كان أو موسيقياً أم رساماً أم نحاتاً) هي سنوات التكوين التي تصوغ رؤيته للحياة والناس والأشياء، بحيث إن كل ما يجيء بعدها ليس إلا امتداداً لخبرات هذه السنوات الباكرة.

حسب محفوظ، يعتبر سنواته الأولى، «فترة خاطفة تبدو لعين الحالم خطوة أولى في طريق بلا نهاية»، وتحمل «أجنة احتمالات لا تعد، تشهد مولد الأسئلة الخالدة، والحب، والجنس، والصداقة، والقيم، والحياة والموت، في رحاب ذي الجلال. ألحان أساسية تنمو وتتنوع مع العمر، تتلقى من البحر الثرى أمواجاً متدافعة وآفاقاً مترامية. توزعنا الأهواء والتأملات، الحلم والأفعال، الانكماش والاندفاع، ولا تتخلى عن الرغبة الأبدية في الاهتداء إلى مصباح يضيء لنا طريق المصير».

حكايات الطفولة، التي سجلها في «الأعوام» سيصوغها، بعد اكتمال الوعي، صياغة فنية، سواء في «الثلاثية» لدى الطفل كمال عبد الجواد، أو في «حكايات حارتنا»، أو «حديث الصباح والمساء»، أو في قصته القصيرة البديعة «المهد» .. وهى القصة التي كتبها للمخرجة الفرنسية آنا نينى التي أخرجت في نهاية الثمانينيات فيلماً فرنسياً عن «طفولة الأدباء». واختارت محفوظ من بين الأدباء الذين قدمت طفولتهم، القصة التي نُشرت فيما بعد في مجموعته القصصية «القرار الأخير» .. وهي القصة التي لا ينكر فيها أن أيام الطفولة صاغت أفكاره فيما بعد، شكلت وعيه بالعالم، بل كانت مصدر إلهامه الدائم .. وحنينه.