يشهد عالمنا في الوقت الحاضر فترة بالغة التعقيد من تطوره، إذ تعيث فيه الفوضى والفساد، فالجميع في سعي حثيث لحماية مصالحه لا أكثر، ونحن نسير صوب عالم حقيقي متعدد الأقطاب، لكننا سنتمكن في نهاية المطاف من الوصول إلى نظام أكثر موثوقية وأكثر أمناً يتيح للبلدان استغلال الفرص لتحقيق تنميتها الاقتصادية والاجتماعية.

لقد أصبح جلياً اليوم إعادة تشكيل المشهد الجيوـ سياسي العالمي، الذي يتطور في اتجاهين رئيسين، الاتجاه الأول: طبيعي تبرز فيه مراكز نمو اقتصادي وقوى مالية جديدة جنباً إلى جنب مع النفوذ السياسي، وتبدأ هذه المراكز باستشعار مصلحتها بالاتحاد بناء على احتياجات شعوبها وبلدانها، وهكذا ظهرت مجموعة (روسيا والهند والصين) في الوقت المناسب، كما ظهرت مجموعة بريكس أيضاً بشكل طبيعي، ومنظمة شنغهاي للتعاون التي انبثقت إلى الحياة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وكان لا بدّ منها لضمان أمن حدود دول آسيا الوسطى وروسيا والصين، كما انضمت الهند وباكستان إلى منظمة شنغهاي للتعاون في وقت لاحق، والأمر نفسه بالنسبة لرابطة دول جنوب شرق آسيا.

والاتجاه الثاني، يتمثل في محاولات لإعادة تشكيل المشهد الجيوـ سياسي من أجل منع المسار الطبيعي للتحالفات في محاولة للحد من تكوين مراكز جديدة للسلطة.

وسبق للولايات المتحدة أن أطلقت قبل بضع سنوات ما يسمى مشروع الشرق الأوسط الكبير، وجوهره توحيد دول الشرق الأوسط تحت رعايتها، لكن من المعروف أن الولايات المتحدة غزت العراق عام 2003 ولا تزال هذه الدولة غير قادرة على التعافي من عواقب هذا الغزو، وكانت النتيجة المباشرة للمغامرة الأمريكية تعزيز قوة إيران في المنطقة، وإقامة تنظيم إرهابي على أراضي سوريا والعراق معروف باسم داعش.

وتحاول إدارة الرئيس الأمريكي حالياً إنشاء تحالف استراتيجي في الشرق الأوسط تحت مسمى حلف «ناتو الشرق الأوسط» للتغلب على الشكوك الخطيرة للمشاركين المحتملين، وفي الوقت نفسه، تحاول الولايات المتحدة فرض رؤيتها لهذه الكتلة على دول الخليج العربي والأردن ومصر، كما أن إسرائيل تحتفظ أيضاً بمصالحها في سياق هذه المبادرة.

هذا في وقت، تسعى واشنطن بكل الوسائل إلى إقناع دول المنطقة والرأي العام العالمي برمته بأن إيران هي المصدر الرئيس للخطر في الشرق الأوسط، كونها ــ حسب زعمها ـ تشجع على النشاطات الإرهابية.

وانطلاقاً من قراءتي وتجربتي الشخصية، فقد كنت ضليعاً في شؤون الشرق الأوسط لأكثر من 50 عاماً، وعملت سفيراً في أربع دول عربية، يمكنني القول إن هذه المحاولة محكوم عليها بالفشل، كما أن محاولات إنشاء كتلة عسكرية تضم إسرائيل وبعض الدول العربية دون إيجاد تسوية للمشكلة الفلسطينية هي مجرد أمنيات واهية.