حين جرت محاولة كشط صورة جمال عبدالناصر من اللوحة التذكارية على السد العالي بأسوان، فسّر كثير من المصريين الأمر على أنه عادة فرعونية قديمة، وأنها طبيعة مصرية متأصلة، وما حاوله رجال الرئيس السادات جرى من قبل في التاريخ المصري، وتوسع المهتمون بالتاريخ العربي والإسلامي، فاعتبروا أنها حالة عربية بامتياز، ودللوا على ذلك بما جرى لعلى بن أبي طالب - كرّم الله وجهه - وسائر الطالبيين في العصر الأموي، حيث طوردوا وقتلوا وجرى لعنهم على المنابر، ولما سقطت الدولة الأموية وحكمت الدولة العباسية، قام العباسيون بلعن معاوية بن أبي سفيان واتهم في عقيدته هو ووالده وعمرو بن العاص وكل من ساندوا معاوية فى معركة صفين من كبار الصحابة، ولم يتوقف هؤلاء عند تلك المرحلة التاريخية، إذ جرى نقل تلك الحالة إلى التاريخ العربي المعاصر، الذي تقوم كل حقبة برجالها على محاولة طمس السابقة عليها وتشويه رموزها ورجالها؛ وفي أفضل الأحوال تجاهلها تماماً.

ويبدو أنها حالة إنسانية عامة، لا هي مصرية، ولا هي عربية وإسلامية، ففي العاصمة الصينية بكين ـ شتاء 2014 ـ شاركت في مؤتمر صيني ـ عربي، رعته جامعة الدول العربية حول المكتبات الوطنية ودورها، راح زميل سوداني يتحدث عن «شواين لاي» ومدى الإعجاب والتأثر العربي به، وكذلك عن «ماو تسي تونغ» وكيف أنه هو وبعض زملائه في شبابهم كانوا «ماويين»، وكان أن امتعض الوفد الصيني من هذا الحديث وأشاحوا بوجوههم .. وفي استراحة راحت مديرة مكتبة شنغهاي تحدثني عن مفاسد وشرور ماو وشواين لاي.

وفي الجامعة الأمريكية بالقاهرة وقف وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، الشهر الماضي، يتحدث بازدراء وتهكم على «أمريكي آخر» هو الرئيس السابق باراك أوباما، ومحاضرته في جامعة القاهرة سنة 2009، ما دفع البعض في الشارع المصري إلى التعليق بأن الولايات المتحدة صارت دولة من دول العالم الثالث، يلعن القائم بالأمر من سبقه مباشرة، والواقع أن كثيراً من الحكومات في أوروبا تأتي وتعتبر نفسها تبدأ من نقطة الصفر وكأن ما قبلها كان فراغاً نحن لسنا بإزاء حالة مصرية ولا عربية، بلى هي حالة عامة، في كل الدنيا، وإن شئنا الدقة هذا شأن السياسة إلى حدٍّ كبير، المهم أن يكون هناك مؤرخون منصفون وأمناء، يحافظون على الذاكرة التاريخية والوطنية للشعب وللأمة، ويتجاوزون الاعتبارات السياسية، ويحفظون حق من رحل، دون ازدراء وبلا تقديس؛ لنحافظ على وعينا العام والذاكرة التاريخية للوطن وللشعب.