الاثنين - 21 أكتوبر 2019
الاثنين - 21 أكتوبر 2019

كيف التهمت «الأخبار الكاذبة» عقل وقلب الجمهور

كتب ـ إيهاب الزلاقي*

في الثاني من مارس الحالي، استيقظت مصر على طوفان من الأخبار حول ترشيح شخص يدعى المهندس «محمد وجيه» ليتولى وزارة النقل، خلفاً للدكتور هشام عرفات الذي قدم استقالته عقب كارثة حريق محطة مصر. الخبر جاء منسوباً لـ «مصادر مطلعة» بالحكومة، وخلال ساعات كان الخبر الأبرز على عشرات المواقع والمؤسسات الإعلامية المعروفة فضلاً عن برامج الفضائيات المصرية التي استفاضت في المقارنة بين مؤهلات المرشح للوزارة وإنجازاته الدولية مقارنة بأسماء أخرى ترددت منذ استقالة وزير النقل السابق.

وسط طوفان النشر، كشف مواطن مصري يدعى «خالد وجيه» عبر حسابه على موقع «تويتر» أنه «مؤلف الخبر»، وأن الاسم الذي اقترحه هو في الحقيقة اسم والده المتوفى منذ 11 عاماً وهو رجل لا علاقة له لا بالهندسة ولا بالنقل من الأساس.


- التكنولوجيا والشائعات

ما حدث فى مصر مع هذا الخبر لم يكن الحادثة الأولى من نوعها، ولكنها كانت الأبرز، ضمن حلقات ما يسمى الأخبار الكاذبة أو Fake News التي تعتبر من أكبر التحديات التي يواجهها العالم حالياً بشكل عام وليس الإعلام فقط.

وعلى الرغم من أن انتشار الشائعات أو ترديدها هو مسألة قديمة، إلا أن التطور التكنولوجي خاصة في مجالات النشر هو ما جعل القضية أكثر خطورة بمراحل وتتجاوز الإعلام إلى السياسة والاقتصاد والمجتمع، ويجمع الخبراء أن طوفان الأخبار الكاذبة المعاصر انطلق من عقاله بفعل عاملين رئيسين أثرا على عملية جمع الأخبار، العامل الأول هو الصعود الهائل في استخدام أجهزة الهاتف النقال والذي أصبح في حد ذاته محطة إنتاج محتوى، أما العنصر الثاني فهو الصعود الهائل للشبكات الاجتماعية وهى في حد ذاتها منصة نشر مباشرة ولحظية تعطى القدرة لأي شخص أن ينشر أي شيء دون أي مراجعة.

هذا التطور التكنولوجي جعل ظاهرة الأخبار الكاذبة تتخطى مجرد نقل معلومة خاطئة، لتصبح في العديد من الحالات سلاحاً يستخدم في السياسة كما يستخدم في الاقتصاد أو حتى في إثارة القلاقل الاجتماعية في أماكن مختلفة من العالم. هنا يبرز اسم منصة «فيسبوك» باعتبارها المتهم الأول، والسبب في ذلك الحجم الهائل من المستخدمين الذي يصل إلى 2.3 بليون مستخدم على مستوى العالم، إضافة إلى سهولة التلاعب ببيانات المستخدمين سوا ء من «فيسبوك» نفسها أو من شركائها الآخرين، وهو الأمر الذي تم كشفه مع تفجر فضيحة «كامبريدج أنالاتيكا» وعلاقتها بالانتخابات الأمريكية الأخيرة.

- إجراءات دولية

ونظراً لخطورة تهديد الأخبار الكاذبة، بدأت العديد من الحكومات والمنظمات الشعبية اتخاذ إجراءات للحد من هذه الظاهرة، على سبيل المثال، أعلنت الحكومة البريطانية أن وحدة الاتصالات الأمنية الوطنية داخل مكتب مجلس الوزراء ستكلف بالتصدي للأخبار المزيفة التي تنتشر من قبل الجهات الحكومية والمواطنين، وألمحت إلى أن الأجهزة الأمنية ستشارك في هذه الحملة، وفى فرنسا قدمت وزيرة الثقافة مشروع قانون لمكافحة رواج الأخبار الكاذبة. وفى ألمانيا بدأ تطبيق قانون جديد يلزم وسائل التواصل الاجتماعي باتخاذ إجراءات حاسمة لإزالة الأخبار الكاذبة والمحرضة على الكراهية.

ونشر معهد Poynter الأمريكي المتخصص في الدراسات الإعلامية، قائمة شاملة بجميع الدول التي قامت باتخاذ إجراءات لمواجهة انتشار الأخبار الكاذبة، ووصل عدد هذه الدول إلى 73 دولة اتخذت إجراءات متنوعة لمعالجة هذا الأمر، ففي الهند التي تستخدم فيها المعلومات المزيفة لإثارة العنف العرقي فقد اتخذت العديد من الإجراءات منها مشروعات ومنها فرض أحكام مشددة على التلاعب بالصور.

- مبادرات للتحقق

إضافة إلى ذلك، ظهرت العشرات من المبادرات الشعبية لمواجهة هذه الظاهرة، ربما يكون من أحدثها مدونة بعنوان «في ميزان فرانس برس» أطلقتها وكالة الأنباء الفرنسية باللغة العربية للتحقق من بعض الأخبار المتداولة على الإنترنت، وفى مصر ظهرت عدد من المبادرات المثيلة مثل موقع «دا بجد» و«فالصو».

وتلعب البرمجيات المتخصصة أيضاً دوراً محورياً في مضاعفة تأثير انتشار الأخبار الكاذبة، وذلك لانتشار البرمجيات التي تقوم بالنشر الآلي والتي تسمى Bots، أو عمل حسابات وهمية على شبكة «تويتر» لتعمل على إعادة التغريد وبالتالي توسيع نطاق انتشار الأخبار الكاذبة، ورغم الإجراءات التي اتخذتها مواقع التواصل تجاه الظاهرة، إلا أن الخبراء يعتبرون هذه الإجراءات أقل بكثير من حجم المشكلة.

- الجمهور يحب الشائعات

المثير في هذه الظاهرة، أن دراسة علمية واسعة أكدت أن الأخبار الكاذبة تنتشر أسرع من الأخبار الحقيقية، وعلى عكس الظن السائد فإن معدلات نشر الأخبار الكاذبة عبر المستخدمين الحقيقيين أعلى بكثير من النشر عبر الروبوتات، ونشرت مجلة «ساينس» العلمية الشهيرة نتائج هذه الدراسة بتحليل أكثر من 126 ألف موضوع على شبكة التدوينات القصيرة «تويتر» في الفترة بين عامي 2006 و2017.

وقال الباحثون من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، الذين قاموا بإنجاز هذا البحث، أن أكثر من ثلاثة ملايين شخص قاموا بإعادة تغريد هذه القصص الإخبارية غير الصحيحة أكثر من 4.5 مليون مرة، إلا أن أهم ما كشفت عنه الدراسة هو أن الأخبار الكاذبة تحظى بفرصة الانتشار 70 في المئة أكثر من الأخبار الحقيقية، كما تستغرق الأخبار الحقيقية مدة أطول بست مرات للوصول إلى 1500 شخص مقارنة مع القصص الكاذبة للوصول إلى العدد نفسه.

الجمهور هو الآخر يتحمل قدراً من اللوم في مشكلة انتشار الأخبار الكاذبة، ولا يتعلق الأمر فقط بعدم إجراء أي محاولة للتحقق من مصداقية ما يقوم بمشاركته مع الآخرين، ولكنه يتعلق بطبيعة السلوك البشرى عموماً، حيث تظهر دراسة حديثة نشرت في مجلة Nature Human Behavior أن الإنسان عندما يتلقى معلومات جديدة بكميات كبيرة ويكون مطالباً بالتمييز بين الجيد والسيئ، ينتهي به الحال لتفضيل الأشهر على الأكثر جودة.

هناك نقطة أخرى شديدة الأهمية، وهى أن العقول البشرية تميل لتصديق الخبر لمجرد تكراره دون محاولة البحث عن حقيقته وما يسهم في دعم هذا الأمر هو الثقة في الأصدقاء ومن هنا تبرز خطورة «فيسبوك» كمنصة لترويج الأخبار الزائفة، حيث إنه وفقاً لما يسميه العلماء «تأثير الهالة» يميل الناس للثقة في المعلومة التي يشاركها أصدقاؤهم وبالتالي إعادة نشره دون تحقق، وهذه الظاهرة بالتحديد تفسر ظاهرة «المؤثرين» Influencers على الشبكات الاجتماعية، فهؤلاء المؤثرون حققوا شهرة وثقة مع جمهور عام توازى الثقة بين الجمهور وأصدقائه الحقيقيين.

* صحافي مصري مهتم بتأثير اتجاهات التكنولوجيا في المشهد الإعلامي

#بلا_حدود