أنامل رشيقة تلاعب الوتر بخفة ينحني لها سلم الموسيقى استسلاماً لمقطوعة شجن، حنين أو انتصار، تسافر بخيال المتلقي إلى عالم من المشاعر الخالصة، وبعزف منفرد على العود تتمازج العاطفة والشعر، ليكون الملحن وعازف العود الإماراتي طارش خميس الهاشمي سيّد ألحانه وأحلامه.

فنان ورياضي ومثقف، لكن مايسترو هو اللقب الأحب لقلبه والحلم الذي يسعى إليه منذ سنين طويلة، عارك الحياة وجابهته، ولكنه استمر ساعياً باتجاه حلمه بإصرار وعزيمة.

«الرؤية» استقبلت الموسيقي طارش خميس الهاشمي الذي منح الوتر الحياة ليشدو بأعذب النغم في مقر الصحيفة، باعثاً دفئاً من نوع خاص، دون أن تفارقه حقيبة زيتية يجاورها عود، هو بمثابة الشاهد على حلم تأسيس أوركسترا سيمفونية إماراتية، يؤمن بأنها ستبصر النور قريباً رغم التحديات العديدة التي واجهته، وعلى رأسها سرقة حلمه الأثير. وتالياً نص الحوار:

- تنتمي لأسرة فنية، وكنت لاعباً سابقاً في منتخب الإمارات، كيف كانت البداية؟

اكتشفت موهبتي وأنا في عمر سبع سنوات، لأحتضن الأوكورديون صدفة كأول آلة أعبر بها إلى وجداني، كما كنت في «براعم القادسية» لكرة قدم الأطفال، ما أهلني بعد ذلك لأنضم إلى صفوف المنتخب الإماراتي.

- لماذا لم تخطط لتكون لاعب كرة قدم محترفاً؟

لم يكن هناك دعم مادي قوي للاعبين، حيث لم يكن من الممكن اعتبار كرة القدم حينها مهنة يعتمد عليها، وعندما قررت الاحتراف توقف النشاط الرياضي في ذلك التوقيت.

- برأيك هل سهلت سوشيال ميديا اكتشاف المواهب مقارنة بمراحل سابقة؟

لا أعتقد ذلك، فاكتشاف الموهبة اليوم عبء، وهناك تقصير من جهات مسؤولة عدة في اكتشاف المواهب، فالعجلة لا تدور بالطريقة الصحيحة، وهناك محسوبيات تفرض نفسها على الوسط الفني، لذلك على الأسر تفعيل دورها بتشجيع الموهبة وتوجيه الأبناء لتنميتها، لتصبح هناك مواهب مدعومة.

- أين هو الفن محلياً في ظل التنافسية العالمية؟

الموسيقى مجال تنافسي، ونحن نسعى اليوم إلى الإبداع في شتى المجالات، ضمن مشهد التنافسية العالمية، سواء في الاقتصاد أو التكنولوجيا وغيرهما، لكن حينما نتحدث عن الفنون نجدها في تراجع وتفتقر إلى الاستراتيجية المؤطرة.

- ما دور الفنانين في تفادي هذا الأمر؟

أولاً لقب «الفنان» لا يمكن أن ينادى به أي كان، بل يطلق على المبدع الذي يقدم فناً حقيقياً يخدم المجتمع، وليس كل من ينظم القصيد أو يشدو الألحان في الحفلات .. لا ضرر أن يسعى الفنان إلى الانتفاع المادي لكن حينما ينحصر تفكيره في هذا الجانب ويغفل الرسالة الحقيقية التي وجد لأجلها يكون فنه ناقصاً ومشوهاً، وعندما يقدم قيمة فنية إيجابية للمجتمع نستطيع حينها أن نناديه بلقب «فنان».

- وكأنك تشير إلى حلقة مفقودة بين ما كانت عليه الموسيقى قديماً وواقعها المعاصر؟

نعم، وهذا مرجعه إلى أن الرؤى تغيرت، لذلك لا بد من أن تعاد صياغة مهام القيّمين على المنظومة الفنية، إذ تتفرد الإمارات بامتلاكها فنوناً عريقة، فلماذا لا تصل إلى العالمية، ولماذا لا تمارس في كل أنحاء الدولة؟ هذا سؤال أطرحه بالمقابل.

- هل تملك الإجابة عن هذه التساؤلات؟

لا شك أن الفنون في قائمة أهم الركائز في الإمارات، وقد عملت على تفعيلها، إلا أن الكثير من المسؤولين في المنظومة الثقافية والفنية ليسوا فنانين في المقام الأول، لماذا لا ينزلون إلى الميدان حتى يطلعوا على المواهب الفنية عن قرب؟ فلا يوجد اليوم ملتقى موسيقي في الدولة، وإن وجد فهو مقتصر على أفراد بعينهم، فهل من المعقول أن تسير الأمور في هذا الاتجاه وكأن الفن حكر على جماعة بعينها.

- متى بدأت صياغة رسالتك وحلمك بالأوركسترا الإماراتية؟

منذ عام 1996 قررت تشكيل فرقة أو حاضنة للمواهب لها نتاج وطني يسهم في البناء الثقافي للدولة، وكان عمري حينها 26 عاماً، وحتى عام 2006 كان هاجسي يتزايد، وهو اليوم حلم أخطط له وأتمنى تحقيقه.

- أين وصل اليوم؟

حلمي الذي ضحيت لأجله سلب مني، حين حاولت توصيل رسالته إلى الجهات المسؤولة، وجهودي في تأسيس الأوركسترا عام 2007 كانت ضمن التحركات التي حاولت من خلالها إيصال رسالة إلى المسؤولين حول أهمية تبني المشروع.

- هل تقدمت بشكوى للحفاظ على حقوقك؟

التزمت الصمت، وما زلت، فالجهة اطلعت على جهودي التي اختصرتها بنبذة في خمس ورقات، سلبتها ونسبتها لنفسها ثم طبقتها ولم تنجح كما توقعت، لأنها أخذت الفكرة بشكل عام ولم تخض في التفاصيل التي جمعتها ورتبتها لسنوات، فمشروعي يجسّد رؤى القيادة، أسقطه على المجتمع الإماراتي ليناسبه، فما وصلت إليه كان نتيجة دراسات مستفيضة.

- ماذا يحتاج طارش اليوم من أجل تحقيق الحلم؟

مشروعي يحتاج إلى تضافر جهود أربع جهات مسؤولة، ومادته تخدم أهداف ورؤى الدولة وبعيدة عن الأهداف المادية، وهذا المشروع هو البوابة الحقيقية التي ستغيّر المنظومة الاستراتيجية الفنية في الإمارات.

أحتاج بعد الدعم إلى ثلاث سنوات من العمل، وهي فترة سابقة للزمن، ليكون لدينا أوركسترا إماراتية من القائد حتى آخر عازف.

- ارسم لنا صورة الأوركسترا الحلم.

أن نرى مسرح أوبرا دبي يحتضن أوركسترا سيمفونية إماراتية 100 في المئة تعزف على الآلات جميعها بحيرة البجع ثم الله يادار زايد، لتكون تجسيداً حقيقياً للهوية الوطنية الوجدانية، يسمعها العربي والأجنبي وتسافر بالجمهور حول العالم ثم تعيده إلى الإمارات.