يتحدثون في موسكو عن عدد الدقائق التي تحتاج إليها الولايات المتحدة لتصل صواريخها النووية إلى روسيا، كما يتحدثون في واشنطن عن عدد الدقائق الموازية لتصبح الأراضي الأمريكية في مرمى الصواريخ الروسية.

في واشنطن تقوم مراكز الدراسات بتحديد المدن والمواقع الروسية التي ستتجه إليها الصواريخ من أجل إنهاء الدولة الروسية، وفي موسكو عرضَ التليفزيون الرسمي - في تقرير استثنائي - خمسة مواقع في الولايات المتحدة ستتجّه إليه الصواريخ الروسية لتدمير مراكز صنع القرار العسكري والسياسي في القوة العظمى.

لطالما نشر الطرفان خرائط يوم القيامة إذا ما اندلعت الحرب بينهما، لكن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هدَّد بأن الجيش الروسي لن يستهدف فقط الدول الأوروبية التي تنشر فيها أمريكا الصواريخ متوسطة المدى .. بل سيطال الأمر أمريكا نفسها، وأن صواريخ تفوق سرعة الصوت ستكون جاهزة على متن غواصات روسية قرب المياه الإقليمية الأمريكية.

إذن .. فإنَّ ما كان المحللون مرتبكون بشأنه وهم يحاولون استشراف المستقبل بعد الانسحاب الأمريكي - المؤقت - من معاهدة الأسلحة النووية متوسطة المدى .. لم يعد مربِكاً ولا غامضاً، ذلك أن الغواصات قد تحركت بالفعل إلى قرب المياه الإقليمية للبلدين، كما أن كثيراً من المواقع قد جرى تحديدها، ومراكز القرار أصبحت الهدف الأول هنا وهناك.

على الرغم من المشهد المفزِع .. لا يزال الخط الساخن يعمل بين القوتيّن، ولا يزال الأمل كبيراً في أن يضبط الخط الساخن وقائع الحرب الباردة الثانية.

مضت ستّة وخمسون عاماً على أولى مكالمات الخط الساخن بين واشنطن وموسكو، والخط الساخن هو خط هاتف مباشر بين البيت الأبيض والكرملين .. يوصف بـ «الهاتف الأحمر»، وقد أدت الأزمة الكوبية أوائل الستينات ونجاة العالم من احتمالات حرب نووية إلى تدشينه، وفي عام 1963 كانت المكالمة الأولى.

حسب مجلة «دير شبيغل» الألمانية .. فإنَّ «الهاتف الأحمر» قد تمَّ تحديثه عام 1971 في أعقاب النزاع المسلح بين الهند وباكستان، وفي عام 1985 ومع إطلاق الزعيم السوفيتي ميخائيل غورباتشوف سياسة «البريسترويكا - إعادة البناء» جرى تجديد الخطّ، وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي جرى تحديث الهاتف المباشر من جديد، والذي شهد العديد من المكالمات بين الرئيس بوش الأب والرئيس بوريس يلتسين.

انقطعت أخبار الخط الساخن طويلًا حتى عادت بقوة عام 2017، وقال وزير الدفاع الأمريكي السابق جيمس ماتيس: لقد جرى إعادة تفعيل الخط الساخن بين واشنطن وموسكو لتجنُّب أي صدام في سوريا.

عادت أجواء الأزمة الكوبيّة من جديد .. لقد استمرت الحرب الباردة الأولى أربعين عاماً، ولكن الحرب الباردة الثانية قد لا تصمد أربعين شهراً .. إنهم يقتربون أكثر من أي وقت مضى .. تبدو أوروبا وسط الصراع ساحة عمليات لا تملك الكثير من الخيارات، بينما يسعى الحكماء إلى ضبط الصراع وعدم انفلات السباق خارج زمام السيطرة .. يهرول البعض نحو المشهد الأخير عاملين على قطع الحوار والاتصال .. إنهم يسكبون قطع الثلج فوق الخط الساخن.