ما كادت تستقر الموجة الأولى، مما سمي ربيعاً عربياً، على خرابها حتى بدأت موجات جديدة تلوح في الأفق، وأسباب الهبات الجديدة هي الأسباب السابقة ذاتها، والمطالب والشعارات هي نفسها لم تتغير، ويبدو أن أحداث الوطن العربي تُكرر نفسها في حركة لولبية لا أفق لها!

ونحن نتابع بقلق المظاهرات والاحتجاجات في كل من الجزائر والسودان التي تطالب بتغيير (شخص الرئيس)، نصل إلى نتيجة (حتمية) مفادها ضرورة التغيير في بعض دول الوطن العربي، ولكن حتمية التغيير تفرض علينا طرح السؤالين البديهيين اللذين أفرزتهما نتائج التغييرات الكبرى الأخيرة في الوطن العربي: هل استوعب العرب درس ما سمي بالربيع العربي، وهل هم على استعداد لمواجهة نتائج أي تغيير جديد من دون الوقوع في مآسي الدول التي سبقتهم؟

يطالب معظم الجزائريين بعدم ترشح الرئيس عبدالعزيز بوتفليقه لولاية خامسة، وتطالب الغالبية من الشعب السوداني بتنحي الرئيس عمر البشير .. فهل لدى كلا الفريقين بديل جيد عما هو موجود؟ والبديل ليس (شخصاً) بل (مشروعاً وطنياً) يضمن وصول الأكفأ إلى الحكم، من دون أن يكرر أخطاء الأنظمة السابقة.

الاحتجاجات في كلا البلدين، لحد الآن، ترتكز على شخص الرئيس، وهو الأمر الذي حدث في موجة الربيع الأولى، وأدى إلى سقوط أو تنحّي بعض الرؤساء العرب، ومن ثم سقوط الدولة في الفوضى، وهذه الأخيرة نتاج الفراغ السياسي، والفراغ السياسي لا يعني خلو المواقع السياسية من الأشخاص، بل يعني انعدام المشروع الذي يحمي البلاد من (صراع الأشخاص والجماعات) على المناصب والكراسي والمواقع السياسية الرئيسة.

إحدى النتائج الخطرة التي أثبتها الربيع العربي السابق أن الجماعات السياسية الوحيدة المنظمة والقادرة على التأثير في الجماهير عامة، والمستعدة دائماً لسد أي فراغ ينتج عن الهزات السياسية الكبيرة، هي جماعات الإسلام السياسي، وهي بطبيعتها تحمل مشروعاً ماضوياً محافظاً يتعارض مع طموحات المحتجين والمطالبين بالديمقراطية والتعددية والحرية الشخصية والعامة.

وثمة تحدٍّ مؤثر لا يمكن التغافل عنه، وهو الجهات الدولية العديدة التي تراقب الأحداث وترصد مصالحها وتحالفاتها، وهي تتدخل لتوجيه حركة التغيير نحو ما يخدم مصالحها ويحميها من أي تأثير .. فهل وضع المحتجون والمطالبون بالتغيير تلك المعطيات ضمن برنامجهم وفي أولويات احترازاتهم؟

ما نتمناه لإخواننا في السودان والجزائر أن تكون الأحزاب السياسية والنخب المثقفة على قدر المسؤولية التاريخية، وأن تتمكن من صياغة مشروع سياسي وطني (واقعي) ومرحلي يساهم في التغيير، من دون الانزلاق إلى الصراعات الدموية، أو السقوط في الفوضى.