قد يبدو للوهلة الأولى من العنوان أن المقصود بالأصنام المجتمعية هي تلك الآلهة التي دأبت الديانات الوثنية على صنعها وتجسيدها لواقع وشكل ما تعبده، وهذا بالطبع ما لا أقصده، فالمعني هنا هو كل ما وجد في مجتمعٍ ما وتم عده واعتباره من المسلمات التي لا يمكن الجدال حولها، هذا من جهة، ومن أخرى كل ما يشمل الشخصيات والأفراد والعادات الموروثة والتقاليد، ليتعداها لكل ما لا يُقبل النقاش والجدل بشأنه، في حين يقود التشكيك فيه لفيضانٍ من الغضب المجتمعي، لا يقتصر فقط على الأفراد بل جميع الشرائح الرسمية والدينية والارستقراطية وحتى الطبقات الفقيرة والغنية، بما فيها فئات من النخبة المثقفة التي لم تخرج عن الخطوط الحمراء التي ربت فيها ووضعتها مقياساً لما لا يمكن الحديث عنه وممارسة فكرها وأبحاثها فيه.

فالمسلمات بنظرها ذات قدسية وطابع لا تكفي مقولة «جرت العادة لوصفها»، بل أصبحت عاملاً أساسياً من البنية الفكرية وعقل المجتمع ككل وجزءاً من شخصيته وتكوينه، يتم توارث جيناتها عبر الأجيال، ومن ثم فأي انقلاب عليها مهما كانت ماهيته والغرض منه سيعد خروجاً لن يُقبل وسيؤدي بصاحبه ليس فقط إلى خصام مع من حوله، بل مع الأرض ومن عليها.

الأصنام المجتمعية إذاً ليست وليدة الطبيعة، ولا تم فرضها من الخارج، بل هي إما صنيعة فئات من المجتمع امتلكت سلطة ما أياً كانت، لكنها ذات تأثير في الأغلبية، واستخدمتها وسيلة لتمكين مكانتها والاستمرار بالحظوة في ما بين يديها، واستطاعت بعد إدراكها للطبيعة النفسية والأخلاقية والفكرية والعقلية والدينية لأبناء المجتمع من تجييرها لتكون دعايةً لصنمها التي ترنو ليكون ذا قداسة (كرمز)، أو هي الوهم والخرافة المحصورة بزمنٍ بعينه لفئةٍ ما تدعوها لتقوية الأواصر فيما بين أفرادها، فتتعاون للوصول للأهداف ومن ثم الرضا والسعادة والاكتفاء.

أياً كان الاحتمالان، ربما واجهت دعايتها في البداية إشكالات، لكنها تغلبت عليها لتتمكن من تكريس التبعية لذاك الصنم المجتمعي، الذي وإن كان وليد المصلحة فإنه تحول لذي مكانة لا يمكن التشكيك فيها، وأصبح حديث العامة واستشهادهم ويحتل مكاناً من الجانب في الدماغ الذي يدين بالولاء والطاعة العمياء.