كيف نفسر خروج الشعب الجزائري إلى الشوارع ليطالب بانتخابات رئاسية حقيقية في مظاهرات غير عادية لأول مرة منذ عقود؟ فهي ليست كمثيلاتها أبداً، بل مختلفة كلياً عن نظيراتها في السودان أو فنزويلا أو مظاهرات السترات الصفراء في فرنسا خلال الأسابيع الماضية، والتي لا تزال مستمرة هي الأخرى.

على أرض الجزائر، صاغ شعب نفسه في ظل القمع الاستعماري، مكافحاً ضد الظلم، وما أن جاء الاستقلال حتى اختفت الاختلافات والانقسامات الثقافية والاجتماعية، وفرضت جبهة التحرير الوطني نفسها إلى اليوم.

إذا عدنا بالزمن إلى الوراء، نجد أن الجزائر تتمتع بموارد هائلة من النفط والغاز، ويتمتع سكانها بمستوى معيشي لائق إلى حد ما، وبالتالي فإن المطالب لا تتعلق بالظروف المعيشية أو تغيير النظام، لكنها تعبر عن إحباط نفسي ومطالب كرامة.

يبقى علينا ان ننتظر ماذا ستكون نتيجة هذه الخطوة غير المسبوقة، بعد أن فتحت السلطات نافذة للحوار؟.

إن أي تغيير في الحكم الجزائري يمكن أن تكون له آثار هائلة ليس فقط داخل البلاد بل خارجها أيضاً، وقد يغرق أوروبا ودول الجوار.

في الداخل، يريد الشباب المثقف والمتعلم، إلى جانب الانفتاح السياسي، تسيير الموارد النفطية لخدمة المواطنين وبناء مستقبل للأجيال.

باختصار، يجب أن تنفتح الجزائر على نفسها أمام العالم وتقبله وتحاول أن تستفيد منه، لأن هناك تحديات قادمة، بعيدة عن «السنوات السوداء» في تسعينات القرن الماضي، عندما كان على الجزائريين خوض حرب لا ترحم ضد الجماعات الإرهابية المتطرفة.

في الخارج، يمكن أن تؤدي هذه الخطوة إلى تحسن كبير في علاقاتها مع جيرانها في شمال أفريقيا خاصة، وكذلك مع أوروبا وفرنسا، كما يمكن أن يصبح المشروع الكبير لاتحاد المغرب العربي حقيقة أخيراً، مع تسوية خلاف الصحراء.

كما يمكن إحياء الديناميكية الإقليمية في المنطقة المغاربية، لتأخذ مكانها في العالم العربي والإسلامي، كما فعلت حتى سبعينات القرن الماضي عندما كانت الجزائر مع الرئيس الراحل هواري بومدين ووزير خارجيته عبدالعزيز بوتفليقة، من أبرز دول العالم الثالث، وأكثرها حضوراً دولياً.

يمكن لكل دول منطقة الحوض المتوسط أن تستفيد من التنمية الاقتصادية المشتركة، كما يمكن أن تتطور العلاقة الحساسة الجزائرية ـ الفرنسية، لصالح كلا البلدين، حيث تمتد العلاقة بين فرنسا والجزائر إلى قرنين، وهي علاقة حميمة للغاية، وذلك بسبب 132 عاماً من التاريخ المشترك المتأصل في حياة كل منهما من المواطنين من كلا الجانبين.

وينبغي تقدير ذلك لبناء جسر من الثقة والصداقة، مع الأخذ في الاعتبار أن مرسيليا، المدينة الفرنسية الثانية، هي أقرب إلى الجزائر من باريس، وأن تربية كلا الشعبين هي بالفعل حقيقة مشتركة للأجيال.

كما يمكن للجزائر، بفعل «الجمال النائم»، أن تصبح جهة فاعلة إقليمية قوية وسلمية على مفترق طرق بين أوروبا وأفريقيا كما بين المغرب الكبير والمشرق.