قبل يوم من عيد الميلاد عام 2006، كان «آندي» يُعاني من حالة نفسية سيئة، وداخل حجرته الصغيرة، أمسك بندقية ووضعها أسفل ذقنه، وضغط الزناد بكل ثبات، أخطأت الرصاصة الطريق إلى مخه، غير أنها حطمت عظام جمجمته، وشوهت ملامحه، حين دوى صوت الطلقة، نقله أقرباؤه إلى المستشفى وأجريت له جراحة عاجلة أنقذت روحه، إلا أنها أبقت ملامحه مشوهة بشكل كامل.

وفي عام 2017، أطلق شاباً يبلغ من العمر 21 عاماً الرصاص على قلبه، لم يُحالف ذلك الشاب الحظ في البقاء على قيد الحياة، إلا أنه أعطى «آندى» فرصة عمره؛ بعد أن توافقت فصيلته وأنسجته معه، وبعد أن قررت أرملته التبرع بـ «وجه» المتوفى لـ«آندى».

وفي عملية جراحية وُصفت بالمعجزة، واستمرت لأكثر من 58 ساعة متواصلة، أجرى الطبيب سمير مالديني جراحة فائقة الصعوبة، انتزع خلالها وجه المنتحر الشاب، ووضعه على العظام المحطمة لـ «آندى»، وخلال عامين كاملين؛ حاول الشاب التأقلم مع الوجه الجديد، حتى نجح أخيراً في إجراء تعبير افتقده على مدى 13 عاماً.. الابتسام والضحك.

يعنى نجاح «آندى» في الضحك تمكنه من التحكم الكامل في عضلات وجهه، وهو ما يصفه الأطباء بـ «الإعجاز الكامل»، خصوصاً أن العالم شهد ثلاث حالات أخرى، منها سيدة توفيت بعد أسابيع من الجراحة بسبب عدوى قاتلة، والحالة الثانية رفض الجسد استقبال الوجه أصلاً، والثالثة لا يزال العلماء يتابعون تطورها ويخضعونها لاختبارات عديدة، أما آندي فكان أول حالة تنجح فيها هذه التقنية شديدة التعقيد.

«الرؤية» التقت الشاب الذى يحمل وجه رجل متوفى، وحاورته في الولايات المتحدة الأمريكية ليكشف عن مشاعره وأفكاره والطريقة التى تغيرت بها حياته بفضل العلم.

وتالياً نص الحوار:

هل لك أنت تصف لنا مشاعرك بعد أن تمكنت من الابتسام والضحك للمرة الأولى منذ 13 عاماً؟

لا يُمكن وصف ذلك الشعور على الإطلاق، هو خليط من الامتنان والعرفان، والرغبة في مواصلة الحياة، والندم على العمر الضائع، دفعت بكل تأكيد ثمناً ضخماً للحظة القنوط التي اعترتني، لحظة واحدة دمرت حياتي بالكامل، حين ضغطت على زناد البندقية، لم تكن لدي رغبة في العيش، قررت التخلص من حياتي؛ ولكن؛ لحسن الحظ، وهبني الله حياة أخرى ووجهاً آخر، أشعر الآن بأنني إنسان جديد، لم يتغير شكلي فحسب، بل تغير كل ما بداخلي.

ما هي اللحظة الأكثر صدمة في حياتك؟

تلك اللحظة التي نظرت فيها إلى وجهي في المرآة بعد محاولة الانتحار، تحولت إلى شخص لا أعرفه على الإطلاق، ملامح مهشمة. أجريت 8 عمليات على مدى 4 شهور، فقط لكي أستطيع التنفس وتحريك شفتي، لم أستطع العودة إلى عملي في شركة النفط إلا بعد نحو عامين من محاولة الانتحار.

كان فمي صغيراً جداً، لدرجة لم تمكنّي من إدخال معلقة صغيرة، كنت أقطع الطعام لأجزاء صغيرة جداً حتى أتمكن من وضعه في فمي، كنت أرتدي أنفاً تعويضية لتحسين مسارات الهواء، ووضعت بضعة أسنان صناعية في فمي لأتمكن من المضغ.

تقلص عالمي، كنت أتجنب الخروج، إلا أنني حصلت على الدعم والمساندة من الأهل والأصدقاء. بعد فترة؛ بدأت في ممارسة حياتي بشكل عادي، إلا أنني حين كنت أذهب للتسوق، كنت أتجنب الاتصال البصري مع الأطفال حتى لا يخيفهم شكلي، لحسن حظي؛ حصلت على الدعم اللازم من جميع من حولي، ساعدني ذلك الدعم على مواصلة حياتي.

وما هي اللحظة الأكثر إدهاشاً؟

حين سلمني الطبيب سمير مارديني مرآة للنظر إلى وجهي بعد العملية، حدقت في صورتي؛ لم أستوعب وقتها الأمر بسهولة، كان لدي وجه جديد؛ وجه ينتمي لرجل آخر لم يُحالفه الحظ مثلي، وجه سأظل أحمله طيلة حياتي.

هل كنت تتوقع نجاح تلك العملية بذلك الشكل؟

كان وجهي مدمراً بشكل كامل، فقدت أنفي ومعظم العظام في جمجمتي، وكل أسناني إلا اثنتين، وفقدت الرؤية في عيني اليسرى، سمعت عن حالات قبلي قامت بزراعة وجه إلا أنها توفيت جراء العدوى بعد العملية، خصوصاً إنني مضطر إلى تناول أنواع عديدة من الأدوية لتثبيط المناعة حتى لا يرفض جسمي الوجه المزروع، لم أكن أتوقع على الإطلاق ذلك النجاح، لكنني كنت واثقاً بطبيبي. الحقيقة أن الأمر فاق توقعاتي بكثير.

ما هي الأجزاء التي زُرعت لك على وجه التحديد؟

قام الأطباء بزراعة الأنف والخدين والفم والفك والذقن والشفتين، وحتى أسنان المتبرع، الذي أكن له كل احترام، وأتمنى له الرحمة ولأهله السلوان.

وكيف حصلت على ذلك الوجه؟

قبل سنوات عدة، وضع الأطباء اسمي على قاعدة بيانات الولايات المتحدة الأمريكية لزراعة الأعضاء، وبعد خمسة أشهر؛ حصلت على إشعار بوجود متبرع متاح، كان ذلك المتبرع هو «رودي روس» الذى أطلق النار على نفسه، شاهدتني أرملته التي كانت تبلغ من العمر وقتها 19 عاماً، كانت حاملاً في الشهر الثامن، وهبتني تلك السيدة وجهاً جديداً مثّل لي حياة جديدة.

كان الأطباء في «مايوكلينك» يُناقشون حالتي على مدار الساعة، وحين توافر الوجه، نقلوني بسرعة إلى غرفة العمليات، ربت الدكتور سمير مارديني على كتفي قبل أن أخضع للتخدير، كانت ابتسامته المطمئنة هي آخر ما رأيته قبل أن أغيب عن الوعي.

بعد أن فقت من أثر التخدير، طلبت مرآة، إلا أن الأطباء منعوني من النظر إلى المرآة طيلة أسابيع تلت العملية، كان وجهي ـ أو وجه رودي بالأحرى - متورماً بشدة، أحسست بألم رهيب، ساعدتني الأدوية على تخطيه، وعرفت من ابتسامة أهلي أن العملية كُتب لها النجاح.

أنا ممتن كثيراً لعودتي من الموت ولا شيء يُضاهي نعمة الحياة. أشعر ببالغ التقدير والامتنان للعلم، الذي أنقذ حياتي، وللأطباء الذين ساعدوني على فتح صفحة جديدة عنوانها حب الحياة.

حاولت الانتحار وتم إنقاذك والعناية بك. غير أن كثيرين لم يُحالفهم الحظ مثلك .. هل يُمكن أن تسدي نصائح لهؤلاء الذين يُفكرون في إنهاء حياتهم؟

كُنت واعياً حين حضرت الشرطة والإسعاف، بمجرد اصطدام الطلقة بعظام جمجمتي أدركت إنني ارتكبت خطأ فادحاً، توسلت لهؤلاء الذين كانوا يحيطون بي: «لا تتركوني للموت وأنقذوا حياتي».

في لحظة واحدة قررت إنهاء حياتي، وفي اللحظة التى تلتها مباشرة توسلت كي يسعفونني، كُنت محظوظاً، ونجحت الجهود في الحفاظ على حياتي.

الحقيقة أن الحياة ثمينة، ولا أحد يرغب في فقدانها، يُعاني معظم المنتحرون من أفكار لا يستطيعون السيطرة عليها، معظمهم في الواقع يُعانون من الاكتئاب الحاد، أو الأمراض النفسية، وتلك مشاكل لا يُمكن أن تُحل بكلمات، يحتاج المقدمون على الانتحار إلى دعم نفسي من العائلة والمحيطين، النصيحة الوحيدة التي يُمكن إسداؤها لهؤلاء هي: الكلام. تكلم مع المقربين عن أفكارك الانتحارية، وأعلم بأن لا شيء في ذلك العالم يستحق الانتحار من أجله.