الشرق الأوسط مفهوم شيده توازن القوى الجيو ـ سياسي والاستراتيجيعندما ألقِي محاضرات في اليابان حول الشرق الأوسط، غالبًا ما تطرح عليّ أسئلة مثل: «أين يبدأ وينتهي الشرق الأوسط؟».. هذا سؤال سطحي للغاية، لكنه يمس جانبًا واقعياً.. بالنسبة لليابانيين، أي دولة أو منطقة يجب أن يكون لها حدود جغرافية واضحة، لأن اليابان دولة جزر مفصولة ومحددة، ومع ذلك، فإن الشرق الأوسط ليس منطقة يمكن فصلها بشكل نهائي عن غيرها عن طريق حدود جغرافية، فالمغرب مثلاً في أقصى غرب الشرق الأوسط، ويُجَانِب المحيط الأطلسي، وفي هذه الحالة، فإن تضمين موريتانيا من عدمه يعتمد على السياقات، سواء أكان المغرب يشمل الصحراء أم لا.

من ناحية أخرى، أين تقع النهاية الشرقية للشرق الأوسط؟.. إيران ربما، وأفغانستان، في الشرق، أيضًا مدرجة بطريقة ما ضمن الشرق الأوسط،، لكن لماذا تدرج ضمنه؟

إن هجوم الحادي عشر من سبتمبر2011، الذي قام به تنظيم القاعدة المتمركز في أفغانستان، انطلاقاً من ذلك اعتبرت هذه الأخيرة جزءاً لا يتجزأ من الشرق الأوسط، كما أصبحت تركيا ضمن الشرق الأوسط، في حين كانت قبل ذلك، أقرب إلى الاتحاد الأوروبي، غير أنها عادت إلى الشرق الأوسط عن طريق تغيير استراتيجيتها ولرفض الاتحاد الأوروبي لاحتضانها، وقد كان جنوب السودان جزءًا من السودان، وبالتالي جزءًا من الشرق الأوسط، ولكن، فجأة، اختفت دولة جنوب السودان من خريطة الشرق الأوسط عندما انفصلت عام 2011.

كل هذه القرائن تشير إلى أن الشرق الأوسط ليس كياناً جغرافياً محدوداً، بل مفهوم شيده توازن القوى الجيو ــ سياسي والاستراتيجي، ففي نوفمبر 2003، أعلن الرئيس الأمريكي بوش الابن عن خطة إصلاح تمثلت في مشروع «الشرق الأوسط الكبير» الذي يشمل أفغانستان، حيث أعلن مباشرة بعد الغزو الأمريكي للعراق والإطاحة بنظام صدام حسين. لتبرير وإضفاء الشرعية على الحرب في العراق باسم إرساء الديمقراطية والضغط على البلدان «المارقة»، سيكون الهدف الواضح وراء هذه الخطة.

ونظرًا لأن الشرق الأوسط مفهوم تم إنشاؤه على أساس الملاءمة السياسية للقوى المؤثرة في كل عصر، فإنه يتوسع أو ينكمش وفقًا لظروف السياسة العالمية، والآن، في أي اتجاه يتجه ويتمدد الشرق الأوسط؟.. إلى الجنوب؟.. إلى البحر الأحمر وأفريقيا؟

مصر ترأس الاتحاد الأفريقي الآن، وتعمل على تقوية الروابط مع دول أعالي النيل والبلدان الأفريقية جنوب الصحراء الكبرى، فيما تفضل تجنب التشابك مع الاضطرابات في شرق حدودها، وتتنافس السعودية والإمارات وقطر على جانبي البحر الأحمر، فيما تتدخل إيران في هذه المنطقة بحذر، أما تركيا فعادت إلى البحر الأحمر كما لو كانت تستعيد مجد الحُكام العثمانيين، لذا يتجه الشرق الأوسط يومًا بعد يوم إلى الجنوب أكثر، وبعد 20 عاماً، سيتم إدراج شرق إفريقيا والقرن الأفريقي في خريطة الشرق الأوسط، فلا تتفاجأ إذا تم ذلك!