منذ إعلان الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة عدوله عن الترشح للانتخابات التي كان مزمعاً تنظيمها في 18 أبريل المقبل، ارتفع منسوب المواقف، ولئن لم تركن أصوات الشارع إلى الصمت بعد الرسالة الرئاسية، إلا أن تلك الأصوات أصبحت متجاورة بمواقف سياسية متقابلة ما ينبئ بأن المرحلة مقبلة على لغة جديدة، لا تقوم على الهتافات بل تقوم على المواقف القائمة على جسر الهوة بين رغبات المنظومة الحاكمة، وتطلعات المعارضة.

كان الانتقال من زمن الثورة إلى مرحلة السياسة مكلفاً في الحالتين التونسية والمصرية، إذ ما إن هدأت الشوارع عن الاعتمال، حتى تقدمت المشاريع السياسية بأهداف متقابلة حد التناقض بين من يحاول رفع سقف مطالبه، وبين من يسعى إلى تأبيد منظومة الحكم القائمة.. في لحظة الفراغ بين زمن الثورة ومرحلة السياسة تقدم الإسلاميون في تونس كما في مصر، وغيابهم في الاحتجاجات عوضوه بانضباط أيديولوجي صارم لقواعدهم.

في الحالة الجزائرية لا يخشى فقط من تقدم الإسلاميين، بل أيضاً من كون المشهد الاحتجاجي الجزائري لم يتوصل إلى تشكيل قيادات تجيب عن أسئلة اليوم التالي لرسالة الرئيس، التي لم تقدم وصفة سياسية واضحة، بل يُقرأ من بين سطورها أنها تحاول المحافظة على المنظومة الحاكمة واستيعاب الاحتجاجات ومحاولة النزول بسقف مطالبها إلى الممكن السياسي.

الأحزاب الجزائرية المعارضة، ومنظمات المجتمع المدني التي انتصرت للاحتجاجات الرافضة للعهدة الخامسة، لا تبدو جاهزة للولوج إلى المرحلة الجديدة رغم رفضها لخريطة طريق النظام.

في تخوم المشهد الجزائري جيش يمسك بتفاصيل العملية السياسية، يحفظ في ذاكرته دروساً أنتجت عشرية سوداء تركت، بدورها، جراحاً غائرة في المجتمع، وفي تخوم المشهد الجزائري معارضة منقسمة عجزت طيلة عشريتين من حكم بوتفليقة عن إنتاج بدائل سياسية ناجعة، وفي تفاصيل المشهد إسلاميون يتربصون بممكنات السلطة اقتداء بأقرانهم في أقطار قريبة، وفي الهامش الجزائري اقتصاد يتداعى رغم توفره على كل ممكنات النهوض، وفي قلب المشهد شارع لا يتوقف عن الهدير.

على أن هذه التفاصيل لا توقف وجاهة القول: إن المرحلة ستكون مرحلة التسويات سواء سميت «ندوة وطنية جامعة»، أو عدت «حالة لا دستورية»، إلا أن المرحلة ستتطلب الاستعاضة بالبرامج عن الهتافات، طالما أن الهتاف الشعبي لا يسعه تسيير الدولة.

في الانتقال من زمن الثورة إلى مرحلة الدولة، تتغير اللغة السياسية ويبرز دور الأحزاب والمنظمات، وهذا لا يسحب من الشارع دوره في حراسة المكاسب والمطالبة بالمزيد، لكن لكل لحظة سياسية مقتضياتها.