حضر صاحبي في الآونة الأخيرة معرضاً للوظائف، والتقى خلاله عدداً لا بأس به من الباحثين عن عمل. ولكن، كيف كانت انطباعاته؟ وماذا يحصل في مثل هذه الفعاليات؟ وهل تبحث فئة الشباب عن وظائف في القطاع الخاص أم في القطاع الحكومي؟ يبدو أن صديقي لاحظ اهتمام أغلبية الباحثين عن وظائف ورغبتهم في العمل بالقطاع الحكومي، وإهمالهم للقطاع الخاص .. وأعتقد أن السبب وراء ذلك يكمُن

أولاً: في أن الوظائف الحكومية قد تحظى بأجر أعلى نسبياً بالمقارنة مع وظائف القطاع الخاص، وثانياً: أن العمل الحكومي لا يتطلب الالتزام بساعات دوام طويلة ومجحفة، كما هو الحال في القطاع الخاص، كما يبدو للبعض.

على مدى أكثر من 30 عاماً وأنا أسمع وأقرأ عن توطين الوظائف في الإمارات وبقية دول الخليج .. لماذا تبقى هذه المشكلة في مقدمة اهتمامنا؟ ثمة عوامل أخرى تُذكر في هذا السياق، مثل: الادعاء بأن الموظف الوافد يتآمر على المواطن في القطاع الخاص لإعاقة تقدمه أو لعرقلة قيامه بمهامه، وأياً كان السبب، يكفي أن يعلن الشاب المواطن الطموح أن رغبته، بل واجبه الوطني يحتم عليه خدمة بلده من خلال عمله في القطاع الحكومي.

ومع أن جميع هذه الأسباب هي أسباب منطقية وجذابة ومغرية، إلا أن ثمة أبعاداً أخرى يجب علينا أخذها في الاعتبار قبل خوضنا بالعمل في القطاع الحكومي، ووداعنا للقطاع الخاص. أولاً، نلاحظ أن معظم حكومات المنطقة ـ بل وربما حكومات العالم ـ تطمح إلى تعزيز الجدارة الوظيفية وزيادة الفاعلية الإنتاجية والكفاءة المهنية، وهذا الطموح بدوره يتطلب تخفيض عدد الموظفين واستخدام أجهزة الكمبيوتر والذكاء الاصطناعي وتقليص المصروفات على الرواتب والأجور.

قد نرفع أصواتنا، ونقول: إن من واجب الحكومة تعيين المواطنين، ولكن جميع دول العالم منخرطة ـ طوعاً أو كرها ـ في عملية العولمة، ما يعني منافسة قاسية بين الجميع على الاستثمار المالي والتكنولوجي، ما سيضطر دول المنطقة إلى ضبط مصاريفها لسببين رئيسين، أولهما: لجذب الاستثمار الأجنبي والذي يُعَد عاملاً أساسياً للنمو الاقتصادي، وثانيهما: لتجنيب وضع أعباء إضافية على القطاع الخاص الذي يجب أن يصبح المحرك الرئيس للاقتصاد. وبذلك يتضح لكل شاب يبحث عن عمل أن حكومات المنطقة يتعين عليها أن تركز على جذب وتشجيع المستثمرين من داخل الدولة وخارجها، وهذا هو عين الصواب.

ثانياً، قد يبدو للشاب المواطن أن العمل الحكومي سيمنح صاحبه العمل والأجر المضمونَين، ولكن في حقيقة الأمر، يبدو أنه لا شيء مضمون في الحياة. في المقابل، في القطاع الخاص سيجد العامل نفسه مضطراً أن يفكر ويبدع، وذلك في إطار عوائق مالية وقانونية ولوجستية، فالعمل في القطاع الخاص يجبرك على التفكير الدقيق والتفكير خارج الصندوق، إضافة إلى التحليل العميق للواقع والتركيز على الإبداع واغتنام الفرص. ترغب حكومات المنطقة في محو البطالة وتشغيل جميع طاقاتها البشرية، ولكن على شباب المنطقة أن يختاروا ما قد يبدو الطريق الأصعب، وسيجدون، بعد سنوات من العمل في القطاع الخاص، أنهم قد تمكنوا من خدمة وطنهم.