في الموروث الشعبي المحلي، هناك أهزوجة للأطفال، تقول كلماتها بالدارجة: «صندوقي ما له مفتاح، والمفتاح عند الحداد، والحداد يبغي فلوس، والفلوس عند العروس، والعروس تبغي عيال، والعيال يبغون حليب، والحليب عند البقر، والبقر يبغي حشيش، والحشيش يبغي مطر، والمطر عند الله، ولا إله الا الله».. وهكذا تدور الدائرة، ونجد أن كل مفردة في الوجود تربطها المصلحة مع المفردات الأخرى، وكل عنصر يُمكن اعتباره مركز العالم، تماماً كحال أي نقطة على سطح الكرة الأرضية، يمكن أن نتخذها نقطة المركز، هكذا نجد ارتباطاً وثيقاً لكل عنصرٍ بالعناصر الأخرى.

وفي كوننا الفسيح، تحتاج النملة الصغيرة إلى حبّ كي تعيش، والحبُّ يحتاج إلى تربة ودورة فصول، ودورة الفصول تحتاج إلى شمس، والشمس إلى مجرة، والمجرة إلى بقية النظام الكوني، وكلها تسير بتناسق وتآلف لإنتاج الحياة، وهكذا نرى أن حياة أصغر الكائنات على الأرض تتطلب كوناً بأكمله ليسندها، وهذا يتسق مع ما ذهب إليه الشاعر أبو العلاء المعري حين قال:

الناس للناس من بدوٍ وحاضرةٍ .. بعضٌ لبعضٍ وإن لم يشعروا خدمُ

فلا مجال لاستقلالية عنصر في هذا العالم عن بقية العناصر، ربما نلاحظ أن كل التربويين يُحَرِّضون على الاستقلالية، وكذلك يسعى السياسيون، فالاستقلالية هي في صميم العملية التنموية لتطوير الأفراد والشعوب، ولكن ذلك ينطبق على السعي من أجل توفير متطلبات الحياة، لكن السعي ذاته لا بد فيه من الاستعانة بتخصصات المتخصصين كُلٌّ في مجاله، واحترام توزيع الأدوار، وبمجمل سعي الجميع، يتم تبادل المصالح، فيتشكّل النماء الذي يقطف ثماره كلُّ الأطراف المتعاونة.