لا شك في أن إسرائيل حققت مكاسب كثيرة مما حدث في العالم العربي، إذ استثمرت الصراع بين أبناء الشعب الفلسطيني، ما بين المفاوضات والمقاومة، ووجدت دائماً فرصاً للتآمر.. كما أنها مع غياب العراق وسوريا ودول عربية أخرى وجدتها فرصة تاريخية لوضع خريطة جديدة للعالم العربي بدعم أمريكي كامل بدأ بالقدس عاصمة للدولة العبرية وربما ينتهي بصفقة القرن، هذا الشبح الذي لم يره أحد حتى الآن.

من ناحية أخرى، فإن ما حدث في العالم العربي خلال السنوات الماضية سحب الكثير جداً من رصيد القضية الفلسطينية، ولم تعد كما كانت قضية كل بيت عربي، وإسرائيل الآن ـ بعد أن قدم لها الرئيس ترامب هدية تاريخية هي مدينة القدس ـ تتحدث عن أطماع أخرى فهي لن تعيد الجولان المحتل إلى سوريا، وأصبحت تتحدث عن حل شامل للشعب الفلسطيني على أسس جغرافية جديدة قد تتطلب نزع مساحات من الأراضي من دول مجاورة.. كما أن صفقة القرن تخفي مشروعاً لا أحد يعرف تفاصيله حتى الآن، والأمر المتوقع أن صفقة القرن سوف تفتح أبواباً لصراع جديد بين العرب وإسرائيل وليس فقط بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وهنا علينا أن ننتظر لأن ما خفي قد يحرك أشياء كثيرة أخطر وأوسع.

من ناحية أخرى فإن إسرائيل تراهن الآن على علاقات أكدتها اتفاقيات السلام بين مصر والأردن والفلسطينيين، وهي تسعى أيضاً لفتح أبواب جديدة مع دول عربية أخرى زارها نتنياهو سراً وعلانية، وقبل هذا هي تراهن أكثر على انقسامات بين الفلسطينيين، يرى المراقبون أنها تجاوزت في حدتها العداء مع إسرائيل نفسها الآن، هناك مرحلة جديدة من الصراع يخوضها العالم العربي وهو في أضعف حالاته، بينما إسرائيل تتمتع بقوة غير عادية تتجسد في انقسام الشعب الفلسطيني والحروب الأهلية في العالم العربي والدعم الأمريكي الذي تجسد في قرار القدس وصفقة القرن، والقضاء على اثنين من أكبر وأهمِّ الجيوش العربية وهما الجيش السوري والجيش العراقي.

وبعد هذا يطرح السؤال الآتي: أين موقع قضية فلسطين وسط هذه التحديات، خاصة أن الدول العربية الآن تسعى لحماية نفسها من الأخطار المقبلة، وألا تكون من ضحايا صفقة القرن المزعومة؟.. كما أن الصراع بين فتح وحماس وفشل كل المفاوضات بينهما لا يترك فرصة أمام أطراف عربية لكي تلم الشمل بين الأشقاء.

إذن، سوف يبقى الحال متجمداً حتى إشعار آخر أي إلى غاية ما تعلن أمريكا عن صفقة القرن التي ستطرحها أمام جميع الأطراف، وعلى العرب أن يستعدوا لطوفان جديد قادم قد يتجاوز القضية الفلسطينية ويطال أوطاناً أخرى.

ويبقى السؤال الأهم: هل ستنتهى قصة الصراع العربي ـ الإسرائيلي مع صفقة القرن كما تريد أمريكا وإسرائيل أم أننا أمام صراع آخر لا أحد يعرف حدوده أو مداه؟