امتازت الانتخابات المحلية الأخيرة في تركيا بعدة أمور، أهمها في الوقت الراهن: أنها الانتخابات المحلية الأولى في عهد النظام الرئاسي، ولذلك نظر إليها البعض على أنها استفتاء على أداء النظام السياسي الجديد، كما أن ارتفاع التضخم وارتفاع الأسعار وانخفاض قيمة الليرة وارتفاع نسبة البطالة هو تصويت على الأوضاع الاقتصادية أيضا، وأخيراً اهتمام الدول الخارجية وبالأخص الولايات المتحدة ألأمريكية والاتحاد الأوروبي، اللذين يضعان تركيا على المحك في نزاهة الانتخابات والديمقراطية.

من ناحية أخرى، فإن نتائج الانتخابات أظهرت على مستوى النتائج: أن الشعب التركي شارك في هذه الانتخابات بدرجة عالية من الإقبال، حيث بلغت نسبة المشاركة بلغت نحو 84 في المئة (تحديداً 83.99%)، كما بينت أن فوز الحزب الحاكم في البلديات الجانبية كان أكثر منه في المدن الكبرى، وبالأخص في أنقرة وإسطنبول وإزمير، وفي ذلك مؤشر مهم على أن ناخبي المدن التركية المركزية ضد المركزية السياسية بالصيغة التي مارسها الرئيس طيب أردوغان، عملياً، خسارة حزب العدالة والتنمية للانتخابات المحلية بتحالفه مع حزب الحركة القومية أصبحت جد واضحة للمراقبين السياسيين، حيث إن الفوز له على الخريطة الجغرافية فقط من حيث عدد البلديات، ولكن النتائج الأولية تشير إلى هزيمته سكانياً، فالمدن الكبرى التي فازت بها المعارضة بما فيها أنقرة وإسطنبول وإزمير وأنطاليا واسكي شهير وأضنة وهتاي ومرسين وغيرها فيها من السكان ما يتجاوز 50 مليونًا (ثلثي سكان تركيا).

وتعد المدن الثلاث (إسطنبول وأنقرة وإزمير) المهيمنة والمسيطرة على السياسة والاقتصاد والسياحة وكل ما يتعلق بمناحي الحياة في تركيا، بينما عدد سكان البلديات التي فاز بها حزب العدالة والتنمية فيها تصل إلى نحو خمسة وعشرين (25) مليونًا، مما يعني أن الأغلبية في المدن الرئيسة المركزية، اختارت المعارضة بصرف النظر عن عدد بلديات تركيا التي فاز بها العدالة والتنمية، وهي الأكثر بالطبع.

في المحصلة، ننتهي إلى القول: إن مما أبرزته نتائج الانتخابات البلدية هو تراجع مكانة حزب العدالة والتنمية في ولايات عديدة باعتراف الرئيس أردوغان أمام مؤيديه في أنقرة، وتعهده بمراجعة الأسباب، وكونها في المدن الكبرى فهي دليل على معارضتها للنظام الرئاسي بالصيغة الأردوغانية أولاً، والاعتراض على السياسات الاقتصادية لصهر أردوغان ثانيًا، وأخيراً سماع اعتراضات المشتكين على عدم التوازن الإعلامي بين المرشحين والفائزين ثالثًا، إذ حرم كل أنصار المعارضة من الظهور المتكافئ في أغلب القنوات الإخبارية إلى درجة أن المؤتمرات الستة الصحافية التي عقدها المرشح الفائز من حزب الشعب الجمهوري لرئاسة بلدية إسطنبول ليلة الانتخابات، لم تجد لها وسيلة للنشر في أية قناة إخبارية حكومية كانت أو خاصة، مما يؤكد أن المعارضة التركية بحاجة ماسة إلى منبر إعلامي يعنى بأخبارها كما للحزب الحاكم.