نجحت شركة الاتصالات SK، في الأول من يناير الماضي، في تنفيذ أول عملية بث تلفزيوني حي عبر شبكة موبايل تجارية تعمل بتقنية الجيل الخامس 5G، الشركة التي تعتبر أكبر مزود لخدمات الهاتف المحمول في كوريا الجنوبية قامت ببث احتفالات العام الجديد، ولقاءات مع المواطنين من أشهر الساحات التاريخية في العاصمة «سيؤول».

هذا البث الذي دام 11 دقيقة، يمثل لحظة تاريخية فارقة في عالم البث التلفزيوني، تضع المزيد من الضغوط على محطات التلفزيون التقليدية التي تواجه منافسة ضارية منذ سنوات مع انطلاق شبكات البث عبر الإنترنت مثل «نتفليكس» و«أمازون» وغيرها، إلا أن الموقف سيزداد صعوبة مع المميزات التقنية الهائلة التي تبشر بها تكنولوجيا الجيل الخامس من شبكات الموبايل.

وعلق نائب رئيس SK للاتصالات شوي ناكهون على تلك اللحظة التاريخية بالقول: «هذه مرحلة جديدة تماماً، وفي تلك المرحلة سيتمكن أي فرد من نقل بث حي عالي الدقة من أي مكان وفي أي وقت عبر استخدام هاتف يعمل بتقنية الجيل الخامس». تعليق الرجل يبدو أنه سيكون حقيقة واقعة أقرب مما نتخيل، خصوصاً أن التجربة العملية أثبتت النجاح في نقل صورة عالية الدقة وبتأخير أقل من ثانية واحدة عن الوقت الحقيقي رغم أن عملية البث تمت في مكان مزدحم للغاية.

ولكن ما هي حقيقة تكنولوجيا الجيل الخامس؟ وكيف ستؤثر في محطات البث التلفزيوني التقليدية؟

أبرز مميزات تقنية الجيل الخامس هي توفير سرعة إنترنت هائلة، فإذا كان الجيل الرابع 4G المدعوم بتقنية LTE لتسريع التحميل يصل في البيئة المثالية الكاملة إلى سرعة تحميل 100Mb/‏‏‏‏s، فإنه من المتوقع أن تدعم تكنولوجيا الجيل الخامس سرعة تصل إلى 10 جيجا بايت في الثانية الواحدة، أو ما يعني 100 مرة أسرع من أي تقنية متوافرة حالياً، وحتى الوصول لنصف هذه السرعة فقط لاعتبارات عملية كثيرة سيكون قفزة هائلة لها تداعيات كبيرة خصوصاً على مسار البث التليفزيونى، أو الترفيه الرقمي.

واحدة من الحقائق الأخرى التي تتعلق بتلك التكنولوجيا، هي أنها تعمل بنطاق تردد عريض، ما يعني أن أبراج البث المطلوبة لتلك التكنولوجيا ستكون صغيرة الحجم جداً مقارنة بالأبراج المستخدمة في التقنيات الحالية، حيث يمكن تثبيتها في أي مكان دون حاجة لتجهيزات مختلفة أو مساحات كبيرة، وهو ما يساهم في تسهيل عملية انتشار تلك التكنولوجيا عند البدء في تطبيقها على نطاق تجاري.

نظرة سريعة على التاريخ القريب لخدمات التلفزيون المدفوع تعطينا فكرة عما سنراه في المستقبل، فمنذ سنوات قليلة كانت الخدمة في الغالب عبارة عن قنوات مدفوعة عبر القمر الصناعي، أو عبر الكابل، ولكن بعدها بدأ تقديم خدمات القنوات عبر الإنترنت للتلفزيون، ومؤخراً ظهرت خدمات البث اللاسلكية المدفوعة حيث تتم المشاهدة عبر أجهزة الموبايل وفي أي مكان. تلك التحولات دفعت شركات الهاتف إلى شراء شركات إنتاج المحتوى، كما فعلت مثلاً شركة Comcast الأمريكية بشراء NBC Universal لتوفير المحتوى الجاهز للاستهلاك عبر حزمة خدمات الشركة.

نفس المسار خاضته شركة AT&T مزود الاتصالات العملاق في الولايات المتحدة، والتي قامت بالاستحواذ على شركة «ديركت تي في»، وبعدها توسعوا في تقديم خدمات التلفزيون عبر الإنترنت IPTV ثم قدموا خدمات التلفزيون اللاسلكي عبر الموبايل، وأخيراً قاموا بشراء شركة «تيم وارنر» للإنتاج السينمائي ليمتلكوا مصدرهم الخاص لإنتاج المحتوي الدرامي الجاهز للتوزيع عبر المنصات المختلفة. هذه التغييرات الكبيرة في الصناعة خلال سنوات قليلة لم تتوقف مع استمرار التحولات التقنية في المشهد، وهو أمر على وشك التغير مرة أخرى.

القدرات التقنية والسرعة الهائلة التي يبشر بها الجيل الخامس لخدمات المحمول، سوف تجعل مشاهدة التلفزيون عبر الإنترنت اللاسلكي أفضل من مشاهدته عبر البث الفضائي التقليدي، الأمر الذي يعني أيضاً أن مقدمي خدمات المحتوى الترفيهي سيعيدون ترتيب أولويات الخدمات المقدمة للجمهور، كما أنه من المتوقع أن يظهر لاعبون جدد في حلبة المنافسة، ولكن الأهم من ذلك كله أن معاناة القنوات التلفزيونية التقليدية سوف تتفاقم.

صناعة الإنتاج التلفزيوني نفسها قد تتغير مع هذه التقنية، على سبيل المثال أسلوب نقل لقطات الفيديو الخام من موقع الحدث إلى محطة التليفزيون، في الوقت الحالي يبحث المصور عن أقرب مكان به اتصال «واي فاي» سريع ليتمكن من رفع الملفات عبر خدمات FTP لتصل إلى فريق المونتاج في القناة، سيتغير هذا الأمر تماماً ليصبح نقل الملفات عبر الإنترنت اللاسلكي بتقنية 5G هو الحل المثالي والسريع في حالات عدم البث المباشر.

فمثلاً، إجراء مكالمة بالفيديو مع فريق العمل في المقر الرئيس حالياً، ورغم مستوى كاميرا الموبايل المتطورة، إلا أن الصورة التي يتم نقلها عبر الإنترنت اللاسلكي لا تصل بالدقة العالية المتوقعة، ولكن مع تكنولوجيا 5G ربما تصبح جودة مكالمات فيديو «سكايب» أكثر دقة مما تراه في البث التليفزيوني الحالي، هذا الأمر ربما يلغي ضرورة وجود مصور في كل موقع لحدث ترغب القناة في تغطيته، حيث سيكون من السهل ومع هذه التكنولوجيا أن تطلب من الجمهور الموجود في الموقع تصوير المشهد والذي سيصل بجودة صالحة للبث عالي الجودة.

وفي الكثير من الأحوال ربما تكفي أجهزة الموبايل الحديثة لنقل حفل فني أو رياضي وبمستوى محترف صالح للبث في القنوات، على سبيل المثال يمكن تثبيت خمسة من أجهزة الموبايل في قاعة الحفل وستقوم جميعها بالبث في الوقت الحقيقي إلى غرفة التحكم المركزية بالقناة، حيث يقوم المخرج بالتحكم في اللقطات التي تصل للجمهور وهو ما يعني ثورة حقيقية مقارنة بالأساليب المستخدمة حالياً.

* سيناريوهات ما بعد الجيل الخامس

التكنولوجيا التي نتحدث عنها ليست نوعاً من الخيال العلمي، أو مجرد أفكار داخل معامل البحث، ولكنها بدأت في الظهور الحقيقي على الأرض، ما يعني أن استخداماتها التجارية ستكون متاحة على نطاق واسع في حدود ثلاث أو أربع سنوات مقبلة وفي الكثير من دول العالم، الأمر الذي يفرض على القطاعات التي ستتغير جذرياً، ومن أهمها البث التليفزيوني التقليدي، أن تستعد بسيناريوهات ما بعد الجيل الخامس.