هاتفني صديق صدوق، ولم يمهلني السؤال عن حاله وأحواله، فرماني بالقاضية: أشعر يا صديقي أن أحزاني تجاوزت حد التحمّل، كلَّ صباح أستشعر بطء الخطى وصرخاتي المكتومة وإعراض عن الحياة، وأن أحلامي غادرت بلا عودة.

قاطعته: يا عزيزي الباكي أنتَ لم تعطِ فرصة لقاضي منصة الصداقة أن يسألك عن قضيتك، لفهم أزمتك وعمق محنتك، والوقوف على ناصية أحزانك.. أفهمْني ماذا حدث؟، ما زلت لم أعبر بعد إلى جسر واقعك وأشواك بستانك التي حدثتني عنها سالفًا.. يا صديقي لم أتخيل يومًا مذ كنا نلهو في فناء مدرستنا أنك ستصل إلى ميناءٍ ماؤه أحزان وسماؤه آلام.

تلفح تنهيدته سمعي، تخفي وراءها جبال الهموم، مكملًا حديثه أو بوحه المكلوم: إليك وقع حياتي بلا تلوين أو تزيين.

بالأمس كان يجمعنا لقاء الأصدقاء في جلسات نستدعي فيها الذكريات تعبق برحيق الحياة، وبهاء الصداقة الدافئة بعيدًا عن حسابات الدرهم والدينار، واليوم غابت اللقاءات وحلت «الجروبات» على الهواتف الذكية التدميرية، وباتت مصالح تتصالح أو تتناطح، أصبحت الصداقة بمذاق «سبوبة»، وفي بورصة «مصلحة» زمانها موعود ومكانها معلوم.

ويكمل في أسى: بالأمس كان ميزان وجودي فيما أمتلكه من علم وتنوير، واليوم أشعر أنني أصبحت كخزانة جدتي، أبقَوها في منزل أمي لأن بيعها أكثر تكلفة من الاحتفاظ بها.. يا صديقي هواتفنا المحمولة أصبحت حبلى بالنفاق والرياء واللامقبول وهدم العقول وتوافه الأمور؛ قتلت الشوق والحنين، وعصفت بصدق المحبين ليحل محلها البرود وقسوة القلوب، لقد أسميت أريكتي المتواضعة: أريكة تأملات عجائب البشر.. بالأمس كانت قيمنا وكلماتنا عهداً ووعداً، واليوم صارت من آثار الزمن الجميل.

أقاطعه مجددًا: أتفهم غربتك رغم نجاحاتك، وأعلم وقع آلامك، ولكن ما زالت في الرحلة محطات، وفي الكتاب صفحات، وللزمن الجميل بقايا مرابطين، حتمًا موجودون، فتش عنهم ولا يحزنك قلة عددهم، وتباعد دروبهم، فهم مثل القندس اكتفى بالكهف المائي بعيداً عن نيران صديقة في اليابسة، فلا تبتئس بنصف الكأس الفارغ مهما طال فراغه.

خيم على مكالمتنا صمت طويل، استشعرت معه أن كلماتي لم ترو أرضه الظمأى، بعد أن أدرك أنها مواساة وجدانية بلا فاعلية ليرميني بالصاعقة متسائلاً: هل لديك من يشتري أحزاني..؟!