الزمان قبل 50 ألف عام، المكان جزيرة «لوزون» الواقعة بين بحرَي الصين والفلبين. كان الظلام يعم الأجواء في تلك الجزيرة الواقعة في أقصى شمال الدولة التي تُعرف اليوم باسم «الفلبين».

وفي حُلكة الليل، ظهرت مجموعة من الكائنات التي تمشي على اثنتين، وبخطوات وئيدة، وظهر منحنى قليلاً للأمام، تبادلت تلك الكائنات المنتمية إلى جنس الـ«هومينين» إشارات من نوع ما، ربما كانت تبحث في ذلك التوقيت عن طعام ما، أو جذوة من نار، أو حتى يحاولون الوصول إلى كهفهم للنوم، إلا أن القدر لم يُمهلهم، إذ تسببت كارثة طبيعية لم يفك العلم لغزها حتى الآن، في دفنهم معاً.

الزمان، قبل نحو عشرة أعوام، والمكان: البقعة الجغرافية نفسها بالفلبين، كان المشهد يموج بمجموعة كبيرة من البشر يمسكون بمعاول قصيرة حادة النصل، يضربون الصخور البركانية السوداء بدأب وصبر، وبعناية؛ يستخرجون مجموعة من العظام، تنتمي لـ«الهومنين» الثلاثة الذين لقوا مصرعهم جراء الكارثة المجهولة، كان الأمر اعتيادياً؛ فالجزيرة غنية بالحفريات، غير أن تلك العظام ليست ككل العظام التي اكتشفتها فرق بحثية في الماضي.

فحسب دورية «نيتشر» العلمية، تنتمي تلك العظام إلى نوع جديد تماماً من البشر الأوائل، نوع لم يكن معروفاً من قبل، يتميز بخصائص أدرك العلماء بعد فحصها طيلة أعوام أنها ستفتح لهم أبواب التاريخ على مصراعيه.

ننتمي نحن البشر الحاليين إلى فصيلة تُدعى الـ«هوموسابيان» أو الإنسان العاقل الذي ظهر قبل نحو 300 ألف عام، في وقت يوجد فيه العديد من الأنواع الأخرى؛ كإنسان النياندرتال والهومينات، لكن اليوم لم يتبق على وجه الأرض سوى غيرنا أبناء سلالة الإنسان الحديث، المنحدر من سلف يشترك في الأصل مع كل الرئيسيات، كالإنسان البدائي والشمبانزي.

طيلة الأعوام الماضية، كشف الباحثون مجموعة من الحفريات التي تنتمي لأنواع متعددة من البشر الأوائل، والآن يقول العلماء إنهم اكتشفوا حفريات جديدة، تنتمي لنوع غير معروف على الإطلاق من البشر الأوائل، عاشوا خلال فترة العصر البليستوسيني المتأخر، وأسهموا في تطور جنس الـ«هوموسابيان» ـ البشر الحاليون ـ في جنوب شرق آسيا.

وسيشعل هذا الاكتشاف الكبير بلا شك الكثير من النقاش العلمي على مدى السنوات المقبلة، خصوصاً أن المكان الذي عاش فيه ذلك الكائن، الذي أطلق عليه العلماء اسم «هومو لوزونيسس» كان يعيش فيه أيضاً الإنسان البدائي من نوع النياندرتال، والإنسان الحديث من نوع «هوموسابيان».

ويقول الباحث في المتحف الفرنسي للتاريخ الطبيعي، فلوران ديترويت، المعد الأول للدراسة، في تصريحات خاصة لـ «الرؤية»، إن الاكتشاف يعني أن أسلاف البشر الذين ينتمون إلى الجنس نفسه الذي ينتمي إليه الإنسان الحديث «وهو جنس الهومو» كانوا يعيشون في الجزيرة الفلبينية قبل ما لا يقل عن 50 ألفاً إلى 67 ألف سنة، مشيراً إلى أن أهمية الاكتشاف ترجع إلى كونه أول «هومينين» يتم العثور عليه في الفلبين، كما أن الاكتشاف يترك عدداً من علامات الاستفهام حول الطريقة التي عبر بها ذلك الكائن البحر وصولاً إلى الجزيرة النائية.

ويشير ديترويت إلى أن الحفريات تكشف عن «جنس جديد تماماً» به خصائص شكلية خارجية تميز النوع الجديد من البشر، إذ يختلف عن كل أنواع الهومينين التي تم اكتشافها سابقاً في جميع أنحاء العالم، قائلاً: «المزيج الفريد والمميزات الموروفولوجية (المتعلقة بالشكل) تجمع ما بين صفات أكثر من جنس، وهو ما يجعل ذلك الإنسان فريداً من نوعه»، مؤكداً أن «الاكتشاف الجديد يضع حجر زاوية في شجرة أسلاف جنسنا الحالي».

وتكمن الاختلافات الرئيسة لذلك الإنسان عن البشر الحاليين في شكل الأسنان، وتكوينها، إذا كانت للأسنان الضواحك ثلاثة جذور، فيما تتميز أسنان الإنسان الحالي بوجود جذر واحد أو جذرين، كما أن أضراسه صغيرة جداً، وشكل القدمين مختلفاً، لا سيما العضلات والأربطة التي تُشارك في ثني القدم، والعظام والمفاصل التي تُعطي للقدم شكلها الحالي.

ويوضح ديترويت أن الصفات التشريحية للكائن المكتشف حديثاً تشبه تلك الموجودة في نوع يُسمى أسترالوبيثكس، المعروفة باسم القردة الجنوبية، وهو جنس من أشباه البشر، ويعد أول من مشى على الأرض بقدمين اثنتين قبل 4.2 مليون سنة.

وتُعد الرسالة الأكثر أهمية في تلك الدراسة هي إثبات أن التطور البشري في آسيا أكثر تعقيداً مما كان يعتقده العلماء سابقاً. فقبل 15 عاماً كان الباحثون يعتقدون أن آسيا لم تشهد أجناساً متعددة كتلك الأجناس الموجودة في أفريقيا. فقد كان الظن السائد أن الإنسان الأول خرج من القارة السمراء ووصل إلى آسيا، حيث استقر طيلة 50 ألف عام دون تغيير يُذكر.

ومع الاكتشافات الحديثة التي تمت في آسيا، يعلم العلماء الآن أن تلك القارة شهدت تاريخاً تطورياً حافلاً، بوجود العديد من الأنواع المتمايزة والمختلفة. فعلى الجانب الشرقي من القارة، حقق العلماء في وجود تزاوج بين إنسان النياندرتال والإنسان الحديث، كما أن الجانب الغربي من القارة الآسيوية حفل أخيراً بعديد من الاكتشافات المتزامنة، كاكتشاف البعثة السعودية الفرنسية الكبير، الذي أعلن عنه قبل بضعة أشهر، وجاء فيه أن الإنسان القديم استوطن تلك المنطقة قبل 85 ألف عام كاملة.

وقتها، قالت الدراسة إن الجزيرة العربية لم تكن مجموعة من الصحارى القاحلة، بل كانت جنة وارفة تحدها بحيرات من المياه العذبة التي عززت وجود الإنسان القديم، الذي فضل استيطان تلك المنطقة في غابر الزمان، قبل أن ينتقل إلى بقية مناطق آسيا.

وطبقاً للدراسة الحديثة، فإن إنسان «الفلبين» المكتشف حديثاً ربما سلك الطريق من أفريقيا عبر الجزيرة العربية، وعلى الرغم من أن طريق الهجرة من القارة السمراء إلى الفلبين غير معروف على وجه الدقة، إلا أن هناك ثمة دراسات تشير إلى أن الإنسان القديم عبر المنطقة التي تُعرف حالياً بالبحر الأحمر لأول مرة قبل نحو 100 ألف عام، ثم استقر في المكان الذي يُعرف الآن بالمنطقة العربية طيلة 15 ألف سنة، عمل خلالها على صيد الحيوانات من المراعي التي ازدهرت في ذلك التوقيت بسبب سقوط أمطار موسمية قوية ومستديمة على منطقة شبه الجزيرة العربية.

وعلى الرغم من أن المسار والطريقة التي انتقل بها ذلك الإنسان للجزيرة العربية ليس معروفاً على وجه الدقة، إلا أن أكثر التكهنات تقول إن الإنسان الأول انتقل من وديان أفريقيا ثم عاش في تلك المنطقة، ومنها انتقل إلى بقية القارة الآسيوية.

وبدأ الفريق البحثي بتحليل الحفريات التي عُثر عليها في الفلبين بعد وقت قصير جداً من اكتشافها، ثم بدأوا في كتابة النتائج عام 2017، ونظراً لأن جميع الحفريات المكتشفة تُظهر بوضوح خصائص مورفولوجية مثيرة للاهتمام، فإن التحدي الفعلي لذلك البحث كان في إجراء جميع المقارنات المحتملة مع الأنواع المعروفة من البشر.

وللتغلب على التحدي، قام الباحثون بعمل مقارنات مورفولوجية شملت القياسات الشكلية التقليدية، والتصوير بواسطة الماسحات الضوئية السطحية للحصول على نماذج ثلاثية الأبعاد، ثم استخدم العلماء تقنيات التصوير المجهري لإجراء مقارنة وتحليل على بعض المكونات الداخلية للحفريات. بعدها؛ استخدم الفريق تكنولوجيات التصوير المقطعي المحوسب الدقيق لبناء نموذج ثلاثي الأبعاد للأسنان وأجزاء القدم التي عُثر عليها، ثم أجروا المقارنات مع الحفريات الأخرى الموجودة في كل مكان في العالم، ليكتشفوا أن تلك العظام تنتمي لنوع جديد تماماً أسموه «هومو لوزونيسس».

وحسب النظريات الحديثة، بدأ تطور البشر قبل نحو ثمانية ملايين سنة، حين هبطت مجموعة من الرئيسيات من على أشجار القارة الأفريقية نتيجة الجفاف، واتجهت إلى المناطق ذات الطعام الوافر، بعد ذلك؛ ظهر أشباه البشر قبل نحو أربعة ملايين سنة، وتميزت تلك الكائنات بالقدرة على استخدام القدمين في الحركة. واستغرق الأمر مليون ونصف عام آخر حتى تمكنت أشباه البشر من صناعة أدوات حجرية بسيطة، ثم ظهرت أول أداة متطورة ـ فأس حجري ـ قبل مليون ونصف المليون سنة. بعد ذلك؛ ظهرت الرماح والنار والأدوات المعقدة، وصولاً إلى الإنسان الحديث.

وتشير الأدلة الأحفورية إلى أن القرود قبل ثمانية ملايين سنة انقسمت إلى فصيلتين؛ هما الجيبونات والقردة العليا، فأما الجيبونات فقد تطورت إلى جنس واحد فقط هو جنس الجيبون، وأما القردة العليا؛ فقد تشعبت لتنقسم إلى الأورانغوتونات وتحت الإنسانيات.

وتطورت الأورانغوتونات إلى جنس واحد يُعرف حالياً بقردة الأورانغوتان، أما تحت الإنسانيات فقد انقسمت إلى غوريلات وأشباه بشر، وتطورت الغوريلات لتصل إلى ما يُعرف حالياً بحيوان الغوريلا، فيما تطور أشباه البشر وانقسموا إلى قسمين؛ الشمبانزي، ونحن؛ البشر، جنس الهومو.

أما البشر، فقد تطوروا عبر التاريخ بداية من إنسان الهوموهابيليس، الذي ظهر قبل نحو مليوني سنة، وعرف ذلك الإنسان بالمهارة في استخدام الأدوات الحجرية، وعُثر على أول حفرية له عام 1961 في تنزانيا، ثم تلاه الإنسان المنتصب «هومواريكتوس» الذي انحدر منه إنسان «هايدلبيرغ»، الذي كان أول من عرف استخدام النار وطهي الطعام، وصولاً إلى إنسان النياندرتال وحتى الهوموسابيان الذي ينتمي إليه جنسنا الحالي.

ويقول ديترويت إن العلماء يبذلون قصارى جهدهم لتقصي آثار تطور الإنسان، لمعرفة أصله، وكيفية وجوده، والطريقة التي نجا بها من الانقراضات التي حدثت لغيره من المخلوقات، وأيضاً لتحديد الجينات الوراثية التي جاءت من الأجناس القديمة «فلكي نعرف مستقبلنا يجب أن نعرف ماضينا» على حدّ قوله.

تقول الدراسات السابقة إن الإنسان الحديث تزاوج مع إنسان النياندرتال على فترات زمنية متعددة ومتباعدة، وترك ذلك التزاوج بصمة جينية مميزة في معظم البشر الحاليين، إذ ترجع نسبة الحمض النووي للبشر الحاليين العائد من أصلنا البدائي إلى نحو اثنين في المئة، ولأن الإنسان الجديد المكتشف في الفلبين عاش في فترة ربما يكون قد التقى خلالها بإنسان النياندرتال، فهل حدث تزاوج بين الجنسين أثر في البشر من نوعنا؟

لا يستطيع ديترويت تحديد إذا ما كان هناك تزاوج حدث بين جنس النياندرتال وجنس الـ«هومينين» على وجه العموم، أو بين الإنسان القديم وإنسان الفلبين المكتشف حديثاً، إلا أنه يؤكد أن هناك مجموعة من الاتجاهات المستقبلية للكشف عن تفاصيل أخرى خاصة بـ«هومو لوزونيس»، لا سيما النطاق المكاني الذي انتشر خلاله، ونوعية الطعام التي كان يتناولها، وحالته الصحية العامة، والطريقة التي تزاوج بها، والمجتمعات التي نشأ فيها، ومدى اعتماده على الصيد، وماهية الأدوات التي كان يستخدمها.

ويقول الباحث إن «الكثير والكثير من العمل لا يزال في الطريق، وأن المستقبل سيكشف ـ دون شك ـ الكثير من المعلومات التي تعضد من النظرية الأكثر إثارة للجدل بين العامة، والتي تحولت بفعل الاكتشافات العلمية المثيرة والكثيرة إلى حقيقة لا تقبل التأويل، ولا يُمكن دحضها باستخدام العلوم الحالية، والتي قام بوضعها أحد أهم العلماء في التاريخ، تشارلز داروين».